من الواضح الآن أن العالم يتغير وبأسرع مما نتوقع ونستشرف ولذلك أصبح من الحتمي ان يتخفف خطاب الزعماء والقادة من قفازات الحرير الديبلوماسية ومن اللغة التي عفا عليها الزمن ولعل هذا ما تدركه تونس اليوم بمنتهى العمق فقد جاءت كلمة رئيس الجمهورية قيس سعيد أمام القادة والمسؤولين السياسيين الحاضرين في قمة إيطاليا افريقيا واضحة وصريحة ودقيقة ومثقلة بالمعاني.

استهل رئيس الجمهورية قيس سعيد خطابه بما يمكن ان نسميه «لعبة الكلمات» مشيرا من خلالها الى التناقض الكامل في مثل هذه القمم بين المخفي والمعلن أي بين ما يقال وما لا يقال أو بالأحرى بين ما يعلن عنه أمام عدسات الكاميرا وفي وضح نورها وبين ما يهمس به في الغرف الصامتة وما يحاك خفية.
وهنا استدعى رئيس الجمهورية صراحة ما يحدث تحت سماء غزة من حرب إبادة بكل ما تحمله الكلمة من معان وأشار الى اغفال مقرر الاجتماع لهذا الحدث الكبير ووجه ضمنيا لوما من اجل عدم ادراج مثل هذا المعطى في جدول الأعمال وهو بذلك يعرب بمنتهى الوضوح عن وفاء تونس ووفائه شخصيا للمبدإ الثابت واللامشروط في الانحياز لحق الشعب الفلسطيني في حريته وكرامته وانعتاقه من ربقة الاستيطان الصهيوني الغاشم. وهي كلمة حق تم الاصداح بها في هذه القمة المهمة بين ضفتي المتوسط. ويأتي هذا الموقف منسجما مع سياسات تونس وكذلك مع موقف دولة جنوب افريقيا المتضامن مع الفلسطينيين والتي عبرت عنه في محكمة لاهاي منذ أيام قليلة. وهو ما يجعل موقف القارة «السمراء» متناغما بشكل من الأشكال في اصطفافه وراء الحق الفلسطيني ويعلن عن ذلك صراحة رئيس الجمهورية في عقر دار الاتحاد الأوروبي الذي مع الأسف تواطأت اغلب دوله مع الكيان الصهيوني وصمت بعضها حتى عن التنديد بقتل الأطفال والنساء والشيوخ والجرائم الوحشية التي ترتكب هناك ضد الإنسانية.

وعاد رئيس الجمهورية الى وقائع التاريخ وهو يتحدث عن قارتنا «السمراء» واكتوائنا بنيران الحروب سواء كانت أهلية او بأيدي المستعمر وما خلفته من مآس إنسانية ما يزال بعضها مستمرا بأشكال مختلفة حتى اليوم. فإذا كان الاستعمار العسكري المباشر لم يعد موجودا فإن الاستعمار الاقتصادي والثقافي والهيمنة السياسية المباشرة ما تزال حاضرة في أكثر البلدان الافريقية. هذه الدول التي ما تزال ترزح تحت نير الفقر وتراجع مستوى العيش رغم انها تحتوي على ثروات طائلة.
وهي من المفارقات العجيبة القائمة في قارتنا منذ أحقاب من التاريخ.

وذكر رئيس الجمهورية قيس سعيد ان هناك العديد من المؤتمرات التي تقام هنا وهناك بشأن هذا الموضوع وفي كل المناسبات وفي أكثر من عاصمة و « الكل يريد ان يكون قاطرة أما الدول الافريقية فعربات مجرورة مرة في هذا الاتجاه وأخرى في ذاك».
وفي سياق متصل أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد أن اللقاء في روما هذه المرة يحمل فكرا جديدا وبمقاربات مختلفة تستفيد من خيبات الماضي وأثنى الرئيس على مبادرة السيدة جورجيا ميلوني التي وصفها بـ«الحميدة». وطرح صراحة فكرة الندية التي ينبغي ان يتم التعامل بها مع القارة الإفريقية من هنا وصاعدا حتى لا تكون عربة مجرورة بل شريك فاعل في قيادة القاطرة. وهو تكريس لمنطق الندية التي يحرص الرئيس قيس سعيد ان تكون أساس التعامل والتعاون مع الطرف الأوروبي.
وقال صراحة «إن خطة ماتاي ليست فقط للتعاون وانما هي طريق للمصافحة بين الشمال والجنوب بين إيطاليا وافريقيا الند للند واليد في اليد لفتح صفحة جديدة في التاريخ».

إذن قمة إيطاليا افريقيا هي منطلق لمرحلة جديدة ما بين الأفارقة والايطاليين بشكل خاص والأوروبيين بشكل عام تأخذ في الاعتبار كل التحولات السياسية والاقتصادية والحضارية وحتى المناخية التي تعصف بالعالم المعاصر مع مراعاة كل المتغيرات التي يعيشها كل شعب. والسعي الحثيث لبناء علاقات تعاون وشراكة لمصلحة الجميع وعلى أساس من التفاهم والندية والقطع نهائيا مع الوصاية والهيمنة التي تم تكريسها في الماضي. وخاصة دحض منطق الترتيب التفاضلي للأمم والشعوب من أجل مساواة مطلقة وحقيقية بين البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إزاء أزمة المهاجرين: لماذا صمت المجتمع المدني؟

أزمة الهجرة السرية تتفاقم يوما بعد آخر والسلطات التونسية تتفاوض مع الشركاء الأوروبيين  وخا…