2024-01-31

استعدادا لمؤتمر «الهجرة 2» ببلادنا : لِمَ لا «خطة تونس لأوروبا» تفاعلا مع «خطة ماتي لإفريقيا»..؟

انتهت قمة ايطاليا إفريقيا التي استضافتها العاصمة الايطالية روما أول أمس الاثنين 29 جانفي 2024 وعاد رؤساء دول وحكومات 23 دولة افريقية إلى بلدانهم بعد مشاركة توافقوا على كونها ايجابية بما أنها طرحت بقوّة القضايا التي تؤثّر على القارتين الإفريقية والأوروبية مثل المتغيّرات المناخية والأمن الغذائي والهجرة والطاقة.
وقد نجحت الدولة المستضيفة في ترويج خطاب الطمأنة والتفاؤل، الطمأنة بخصوص الوعي بمشاكل قارتنا السمراء واحتياجات القارة العجوز، والتفاؤل بالمستقبل وبوضع مشكلاتنا ليس على جدول أعمال ايطاليا فقط وإنما أوروبا ومجموعة السبع الكبار.
تونسيّا، يمكن القول ان أهم ما تحقّق من خلال المشاركة رفيعة المستوى في هذه القمّة في شخص رئيس الجمهورية قيس سعيد، علاوة على الخطاب السيادي المساند للحق الفلسطيني ولحقوق القارة، الخوض في الإعداد لعقد الاجتماع الثاني لمؤتمر الهجرة بتونس هذا العام بعد أن استضافت روما الاجتماع الأول في شهر جويلية الماضي والتأكيد على المكانة الإستراتيجية التي يجب أن تحظى بها تونس في البرامج التنفيذية التي سيقع إعدادها في ضوء مخرجات قمّة ايطاليا إفريقيا بالإضافة إلى تعزيز الصداقة سواء في إطار ثنائي أو على مستوى الاتحاد الأوروبي ومزيد التنسيق والتشاور وتنويع الروابط في مجالات الفلاحة والطاقات المتجددة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والثقافة والتكوين المهني والتعليم العالي..

إن حضور تونس في هذا المحفل الدولي ايجابي بكل المقاييس بقطع النظر عن نوايا الجهات المنظمة وأهدافها وحساباتها وما حققته لنفسها، فالعلاقات الدولية تقوم على مبدإ المصلحة وحتى المصلحة المشتركة خاضعة لموازين القوى، وبالتالي لا مناص لنا من التفكير في مصلحة بلادنا والتخطيط لجعلها أولوية في حراكنا الدبلوماسي وفي الأجندة الدولية والمناسبات التي يتوجب علينا الحضور فيها والابتعاد عن خيار «الكراسي الفارغة» .
نقول هذا الكلام ونحن نراجع شيئا من التاريخ ونبحث في أصول الخيار الايطالي للسيدة جورجيا ميلوني رئيسة الوزراء الايطالية والتي اختارت يافطة ذكيّة لقمتها وهي «خطة ماتي لافريقيا».
وماتي، أو السيد انريكو ماتي، سياسي ورجل أعمال ايطالي بارز في مجال إنشاء شركات صناعة النفط من مواليد 29 أفريل 1906، وتوفي في 27 اكتوبر 1962 في حادث طائرة غامض حيث وُجدت بقايا متفجرات في طائرته.
ويحسب للرجل أنه كان إلى جانب التخلص بذكاء من تركة العهد الفاشي في مجال شركات النفط دون التفريط في مصالح ايطاليا، صاحب دور كبير في إنشاء تحالف الدول الصناعية السبع الكبرى (كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية) وهو من أنصار مقاربة استبدال المنافسة والاحتكار بمقاربة الاحتواء والشراكة.

وباختيارها لماتي وضمان موافقة افريقيا مبدئيا، وكذلك أوروبا التي حضرت القمة بمؤسساتها الرسمية الموحّدة، يمكن القول أن رئيسة الوزراء الايطالية هي المنتصر الأكبر من هذا اللقاء الدولي الذي وان كان شبيها بقمم أخرى كقمّة فرنسا افريقيا، أو روسيا أفريقيا، او أمريكا افريقيا، أو الصين افريقيا، أو الهند افريقيا، أو حتى العرب افريقيا، فإنه لقاء ابتعد عن الهبات والصدقات المادية المباشرة والوعود التي ظلت حبرا على ورق من قبيل إسقاط بعض الديون أو تحويل بعضها الى استثمارات او تقديم مساعدات هنا وهناك في باب مغازلة القارة «السمراء»، وقدّم في المقابل «وصفة ماتي» إن جاز القول، وهي «الاحتواء والشراكة».
على أن الاحتواء والشراكة كان دواء ممكنا ويسيرا بين دول قويّة لها الحد الأدنى كي لا نقول الأقصى من مقوّمات الصمود والانفتاح والاندماج والتكامل دون خطر الابتلاع والاندثار والتبعية، وبالتالي تحقيق المصلحة المشتركة، وهذه الشروط ليست متوفرة حسب رأينا في الوقت الحاضر بين إفريقيا وأوروبا حتى وان كانت نوايا ايطاليا ونوايا رئيسة وزرائها بالخصوص طيبة وهي ممثلة اليمين الايطالي والتي بنت حملتها السياسية الداخلية على حسم ملف الهجرة.
ومن هذا المنطلق بالذات يمكن التفكير من الآن في إعداد وصفة تونسية افريقية بنكهة عربية وانسانية تحت مسمّى «خطة تونس لأوروبا» يتم عرضها في مؤتمر الهجرة 2 الذي سيشهد دون شك حضورا اوروبيا وافريقيا قويا والحضور القوي ليس اختيارا بقدر ما سيكون ضرورة للطرفين ومثلما استعدّت ايطاليا «بوابة أوروبا» لتسويق دوائها بجبهة داخلية قوية، بمقدور تونس «بوابة افريقيا» ان تستعدّ بدورها إذا كانت بالفعل مصرّة على كتابة تاريخ جديد.
إن عنوان الخطة التونسية واضح في انتظار التفاصيل، وهو المقاربة الشاملة التي لا تقوم على المعالجة الأمنية فقط لمعضلة الهجرة غير النظامية ولكن بجبر الضرر ورفع المظلمة التاريخية التي تعرضت لها شعوب إفريقيا، وفي غياب مؤسسات افريقية رسمية قوية على غرار مؤسسات العمل الأوروبي المشترك من مصلحتنا البحث عن «احتواء وشراكة» بين أبناء قارتنا «السمراء» أي جنوب جنوب كي نكون قادرين على «الحوار الندّي» جنوب شمال أو شمال جنوب، كما بشّرنا بذلك ذات يوم ماتي الايطالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مجلس الأمن الدولي يصوّت اليوم على عضوية فلسطين : هل تكون «رصاصة الرحمة» على «الشرعية الدولية»..؟

مرة أخرى، قد تكون الأخيرة، يجتمع مجلس الأمن الدولي اليوم الجمعة 19 أفريل 2024 للتصويت على …