تعوّل بلادنا اليوم على الدبلوماسية الاقتصادية بهدف الحد من الأزمة الاقتصادية التي تعيش على وقعها منذ سنوات والحد من آثارها السلبية على التونسيين من خلال الدور المحوري والأساسي الذي يمكن أن تلعبه مختلف تمثيليات تونس بالخارج في جلب الاستثمار والتعريف بالامتيازات الاستثنائية التي تمنحها الدولة للمستثمرين الأجانب في جل مناطق البلاد التونسية وخاصة منها المناطق الداخلية.
ويأتي في هذا الإطار إعلان وزارة الشؤون الخارجية مؤخرا عن خطة اتصالية تهدف إلى مزيد توضيح وإبراز الدور المحوري للوزارة في علاقة بملف الدبلوماسية الاقتصادية من أجل تحقيق هدف موحّد يتمثل في إرساء استراتيجية وطنية دبلوماسية اقتصادية موحدة وناجعة، وترتكز أساسا على تطوير خطوة الاتصال والتواصل وتطوير المحتوى الذي يتم نشره عبر مختلف الصفحات الرسمية لجل تمثيليات السفارات الرسمية بالخارج.

ومن شأن هذه الإستراتيجية الدبلوماسية أن تقطع مع تلك الصورة النمطية الراسخة في مخيال التونسيين والتي تقوم على أن دور السفارات ومختلف التمثيليات الرسمية بالخارج ينحصر في استخراج جوازات السفر وغيرها من المسائل في علاقة بالمواطنين بالخارج وتأصّل هذا الدور المحوري للدبلوماسية الاقتصادية في معاضدة مجهودات الدولة لتحسين الأوضاع الاقتصادية من خلال جلب الاستثمار واستقطاب المستثمرين والترويج لصورة تونس بالخارج.
ونرى أن هذه الإستراتيجية المتجددة ستمكّن من تصحيح الصورة الحقيقية لبلادنا التي «شوّهها بعض السياسيين وبعض الأطراف الموالية لبعض الأحزاب السياسية خاصة في السنوات الأولى بعد الثورة»، والتي تتجلى عناوينها الكبرى في توضيح المهام الأساسية للتمثيليات الرسمية للدولة التونسية بالخارج من خلال دعم خطة الاتصال والتواصل لدعم الدور المحوري للدبلوماسية الاقتصادية في الخارج عبر عدة آليات وضمن عمل مشترك مع مختلف المتدخلين على المستويين الوطني والخارجي.
كما يمكن من خلال دعم الدور المحوري للدبلوماسية الاقتصادية تعزيز العلاقات السياسية بين مختلف شركاء تونس والتعاون بعيد المدى والدفع نحو توقيع اتفاقيات شراكة جديدة وتطوير أخرى في مختلف المجالات والقطاعات في إطار التنسيق بين القطاعين العام والخاص بهدف خدمة المصالح الاقتصادية الوطنية وحماية المؤسسات التونسية المنتصبة بالخارج وتعزيز دورها وتواجدها وجذب الصادرات المباشرة من الدول الأجنبية.

ويعتبر خلق أسواق اقتصادية جديدة والانفتاح على الدول الصاعدة من المهام المحورية لقسم الدبلوماسية الاقتصادية في وزارة الشؤون الخارجية ويعد المحرك الأساسي لجلب الاستثمارات المباشرة بهدف زيادة نسبة النمو وتشجيع وتحفيز التنمية الاقتصادية وفي مقدمتها تلك التي في المجالات الحيوية على غرار الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الرقمي حيث أصبحت تكنولوجيا المعلومات تحتل مكانة مرموقة في الاقتصاديات الوطنية بحيث أصبحت العلاقات الدولية بين مختلف دول العالم ترتكز على نقل التكنولوجيا الحديثة بهدف تقليص الفجوة الرقمية والاستفادة من المشاريع ذات المردودية العالية والتقنيات الحديثة بالتوازي طبعا مع دور الدبلوماسية الاقتصادية في تدعيم التعاون والتحفيز على الاستثمار ودعم الصادرات.
فمتطلبات المرحلة وفي إطار العولمة الرقمية والثورة التكنولوجية تفرض علينا استنباط طرق جديدة للترويج لصورة تونس بالخارج وجذب الاستثمار وتحفيز المستثمرين وهو ما تؤكده الخارجية التونسية من خلال التشديد على ضرورة تفادي تشتيت التحركات والنشاطات والمواصلة بطرق كلاسيكية واعتماد العمل المشترك لإرساء استراتيجية موحّدة في مجال الدبلوماسية الاقتصادية ، والسعي إلى اعتماد طرق ناجعة ومجدّدة للترويج لصورة تونس وجلب المستثمرين حسب ما يتماشى وديناميكية العمل بالدول.
ونعتقد أن العمل المشترك والذي أكدت عليه وزارة الشؤون الخارجية في عدة مناسبات والتنسيق بين مختلف الأطراف المتداخلة وطنيا وخارجيا في إطار دعم الدور المحوري للدبلوماسية الاقتصادية والعمل ضمن سلسلة مترابطة كفيل بتحقيق مختلف الأهداف المرجوة وفي مقدمتها جذب الاستثمار الأجنبي وضمان استقرار المستثمرين التونسيين المقيمين بالخارج ببلادنا وإعطاء صورة ايجابية حقيقية لتونس وما تتميز به من استقرار و مناخ للاستثمار والتنمية.

وبإمكان الدبلوماسية الاقتصادية لبلادنا أن تحقق أهدافها من خلال مزيد التركيز على التكوين الدبلوماسي في الأكاديمية الدبلوماسية التي تم تدشينها مؤخرا بتونس العاصمة بدعم من جمهورية الصين الشعبية من خلال تكوين شامل لكفاءاتنا بوزارة الخارجية في المجال الاقتصادي أو من الفريق العامل لمختلف التمثيليات التونسية الرسمية بالخارج للاشتغال على آليات جديدة لجذب الاستثمار المباشر الأجنبي وتفعيل وتجسيم خطة الاتصال والتواصل المتجدّدة وفق الرؤية الجديدة التي تم ضبطها مؤخرا من قبل وزارة الشؤون الخارجية والتي تسعى من خلالها إلى توحيد العمل المشترك والتنسيق بين مختلف الأطراف المتداخلة على غرار هياكل الدعم التي لها تمثيليات في الخارج والقطاع الخاص من أجل إرساء استراتيجية موحّدة في مجال الدبلوماسية الاقتصادية التي تعد اليوم كنمط مميز في الدبلوماسية المعاصرة والسياسة الدولية بما يفرض تلازم المسارين الاقتصادي والسياسي من أجل إرساء المصالح التجارية والاقتصادية للدولة التونسية اعتمادا على تطبيق السياسات العامة التي تضبطها الدولة داخليا وخارجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بهدف الرفع من إنتاجيته وتعزيز تنافسيته إقليميا ودوليا ..نحو دعم وتطوير قطاع الفسفاط

مثّلت مصادقة مجلس نواب الشعب، خلال جلسة عامة،الأربعاء الماضي على مشروع قانون يتعلق بالمواف…