2024-01-28

آن الأوان لتغيير السياسات الفلاحية : حتى لا يصبح الفلاّح الحلقة الأضعف..!

جاءت كلمات السيد عبد المنعم بلعاتي وزير الفلاحة مبشّرة وهو يراهن على موسم فلاحي واعد قد يجعلنا نحقق اكتفاءنا الذاتي من القمح الصلب وهذا هدف على شكل أمنية قد تصبح ممكنة إذا ما توالى نزول الأمطار خلال هذا الموسم بالقدر الذي تحتاجه المزروعات.
كما ان مردّ هذا التفاؤل هو ارتفاع منسوب المياه في السدود حيث بلغ 33 بالمائة كمعدل عام وهي نسبة طيبة في انتظار تواصل تهاطل الغيث النافع.
والحقيقة ان التصريحات الأخيرة لوزير الفلاحة بالغة الأهمية بالنظر إلى أهمية القطاع الفلاحي وأيضا باعتبار التحديات الكبرى التي تواجهه سواء كانت بفعل الطبيعة او بتأثير البشر. وهنا علينا الإقرار بأن الزراعة تعيش في العالم بأسره وضعيات دقيقة وعليها رهانات كبرى وليس في تونس فحسب. ولعل ما عرف مؤخرا بـ «ثورة الفلاحين» في شمال فرنسا وفي بعض المناطق من ألمانيا وبعض البلدان الأوروبية خير دليل على ما نقول فقد تحركت أعداد كبيرة من الفلاحين متظاهرين ضد الوضع المتأزم لقطاع الفلاحة.

اما في خصوص وضعيتنا في تونس فقد أشار وزير الفلاحة مثلا إلى ان هناك بعض «التحيّل» إن شئنا من قبل بعض مربّي الأبقار بشأن الحصول على كميات أكبر من العلف من الكمية المخصصة لهم مؤكدا ان هناك وفرة في هذه المادة ولا مجال للتخوف.
هنا نحتاج الى مسافة نقدية من هذا القول دون ان نقوم «بتتفيه» ما نسميه «الفساد الصغير» في صفوف بعض الفلاحين الصغار مثلا أو غيرهم من التجار وأصحاب الحرف والمهن الصغرى في قطاعات أخرى. فقد تكون هناك بعض الممارسات القائمة على التحيل في هذا الصدد. ولكن علينا ان نتذكر دوما ان الفلاح هو الحلقة الأضعف ولا ينبغي ان نجعله هدفا لسهام نقدنا فحسب. فنحن نعلم جميعا ان قطاع الأعلاف يسيطر عليه عدد قليل من الأباطرة.
وقد أدرك رئيس الجمهورية قيس سعيد مغبة ترك الفلاحين أسرى لمن يسيطرون على سوق الأعلاف فقرر إنشاء ديوان الأعلاف من أجل كسر حلقة الفساد في هذا القطاع. وهو خير رد على ما يروّج من أن الفلاحين هم سبب أزمة العلف.
والحقيقة ان صغار الفلاحين هم ضحية هذا الواقع المتأزم وان هامش «التحيل» إن وجد لا يكاد يذكر. فلا يستطيع الفلاح مثلا ان يطلب اكثر من حاجته من الأعلاف بدعوى ان له عددا أكبر من قطيع الابقار خاصة وأن الطبيب البيطري يتولى تسجيل العدد عندما يقوم بتلقيح الابقار وهذا مثال بديهي نسوقه حتى لا يظل الفلاح متهما إلى ان يثبت العكس.

كما انه معلوم لدى كل المتابعين للقطاع الفلاحي والمهتمين به ان هناك ثلاثيا يسيطر على تجارة الأعلاف وان الفساد الكبير هو الأخطر قطعا على القطاع بأكمله.
والأكيد ان الفلاحة تشهد كثيرا من المصاعب مرتبطة أساسا بالتغيرات المناخية وبوضعية الفلاح وبمنظومات الإنتاج فمنظومة الحليب مثلا تحتاج الى المراجعة خاصة بعد ان فرّط الكثير من المربين في أبقارهم.
والحقيقة أن هناك من يتحدث حتى عن تراجع جودة الحليب بعد تراجع الكميات التي يتم انتاجها ويبدو ان هناك «تحيّلا» ما يحدث في منظومة التجميع. وهذا ملف للمتابعة أيضا.
وما قلناه عن منظومة الألبان يشمل الكثير من المنظومات الإنتاجية الأخرى التي تتصل بغذاء التونسي والتي تحتاج الى مراجعة عميقة والى اشتغال على تغيير الاستراتيجيات المعمول بها منذ عقود والتي انتهت مدة الصلاحية بالنسبة لها وتحتاج الى أفكار ورؤى جديدة تتغير بمقتضاها السياسات العامة في هذا القطاع نحو مزيد من العصرنة وتطوير الإنتاج وتحسين جودة المنتوج الفلاحي لتحقيق الاكتفاء الذاتي للتونسيين من مختلف المنتوجات ولتوفير مواد فلاحية قادرة على المنافسة على مستوى الجودة اذا قمنا بتصديرها. ولا ينبغي الاقتصار فقط على التمور والقوارص وزيت الزيتون فحسب.
ويأتي الفلاح في قلب عملية تطوير الفلاحة وتعصيرها عبر الاهتمام به ماديا ومعنويا بتوفير ما يحتاجه من مستلزمات لإقامة المشاريع الفلاحية والدعم المادي عبر البنك الوطني الفلاحي وتسهيل الإجراءات المعقدة وأيضا عبر التوعية والإرشاد حتى لا يصبح الحلقة الأضعف. وقديما قيل لا خير في أمة تأكل مما لا تنتج وتلبس مما لا تنسج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إزاء أزمة المهاجرين: لماذا صمت المجتمع المدني؟

أزمة الهجرة السرية تتفاقم يوما بعد آخر والسلطات التونسية تتفاوض مع الشركاء الأوروبيين  وخا…