2024-01-27

أغلبها مجهول المصدر وأسعارها مضاعفة : تنامي ظاهرة ترويج السلع الغذائية المورّدة من الحدود الغربية

انتشرت في الأشهر الأخيرة ظاهرة توريد السلع الغذائية من القطر الجزائري بشكل ملحوظ بعد أن كانت عمليات التجارة للشركات السياحية وللأفراد تقتصر على منتجات صناعية من ملابس وكماليات السيارات وبعض المستلزمات الإلكترونية .
هذه الظاهرة توسعت بسبب النقص المسجل في المواد الغذائية المدعمة بتونس وجعلت العديد من التجار يتوجهون للسوق الجزائرية للتبضع ومن ثمة ترويج سلعهم داخل تونس عبر شبكات التواصل الإجتماعي لمواد غذائية كالسميد والسكر والأجبان والزيوت النباتية بأسعار مضاعفة عما تتوفر عليه في بلادنا ، وتنضاف هذه التجارة للمواد الأخرى التقليدية كالمحروقات وحديد البناء ولكنها تختلف من حيث عمليات الدخول بين المسالك غير الرسمية لهذه الأخيرة وعبر البوابات الرسمية بالنسبة للمواد الغذائية غير أن كلها تشترك في الخطيئة ألا وهي بضائع مجهولة المصدر طالما أنها تروج دون ضمانات صحية تؤشر على مصادر ترويجها .
بمجرد البحث داخل محامل التواصل الاجتماعي عن البضائع الجزائرية المروجة في تونس ، تعترضك عروض البيع لأنواع مختلفة من المواد الغذائية المدعمة بالجزائر والتي بدورها تعرف نقصا في السوق المحلية التونسية مع اختلاف واضح في الأسعار حيث يتحجج بائعوها بحجم الكلفة التي تقتضيها عملية السفر نحو الجزائر والمخاطر الديوانية ، تبعا لذلك تجد هذه المواد رواجا سيما في الولايات الحدودية وحتى الداخلية لتبلغ ذروة انتشارها في مناطق تونس الكبرى جراء النقص الفادح في المواد المدعمة .
ففي حديث أجرته «الصحافة اليوم» مع بعض تجار الخط تونس الجزائر ، يروي سمير حامدي ، سائق حافلة بإحدى الشركات الخاصة ، أن التوجه نحو التبضع من القطر الجزائري وتحديدا من ولاية تبسة الحدودية ، يعود لعدة أسباب يعتبرها موضوعية على حد قوله ، من بينها غلاء الأسعار في تونس وندرة المواد الغذائية كالسكر والسميد وهي منتجات متوفرة بكثرة في السوق الجزائرية وتخضع بدورها للدعم من المال العام ، إلا أن إدخال كميات قليلة مرة كل أسبوع يحفزه على توفير مصاريف ونفقات أسرته بالنظر لحجم الفارق في الأسعار علاوة على تهافت حرفائه للتزود بهذه المواد مهما كان ثمنها .
ويعتبر محدثنا أنه في سنوات مضت كانت الرحلات الخاصة والفردية لبعض التجار نحو الجزائر تقتصر على التزود بكماليات السيارات « اكسسوارات وعدد محدود من الإطارات المطاطية وغيرها من التجهيزات الإلكترومنزلية والهواتف الجوالة …)ولكنها تحولت اليوم إلى بضائع غذائية تشكومنها السوق التونسية مشاكل كبيرة في التزود والتزويد الأمر الذي يجعل من هؤلاء التجار يتوجهون إلى الجزائر عائدين بحمولة يتم برمجة بيعها مسبقا وحسب الطلبات المبرمجة وهكذا تستمر العملية لأشهر في حال ما لم يتم تسجيل تضييقات تذكر من المصالح الجمركية بالجزائر .

رحلات خاصة وجماعية تتوسع

ومن جهة أخرى تحدث إلينا محمد الطاهر بن صالح ، صاحب مقهى ، مؤكدا أن تجارة المواد الغذائية من الجزائر تتم عبر الدخول إلى مدينة « العلمة» التي تبعد نحو300 كلم شرق العاصمة الجزائرية مشيرا إلى أن هذه « التجارة الغذائية» لا يمكن أن توصف بتجارة التهريب طالما تمر البضائع القليلة عبر الجمارك والمعابر البرية الرسمية بين البلدين ، في حين يقرّ بأن هناك شبكات كبيرة تعمل بين الحدود بطرق غير شرعية وبكميات تبلغ مقاديرها المالية الملايين من الدينارات ، إذ أن التجار من البلدين يتعاملون داخل سوق دبي الشهير بمدينة «العلمة» ويتبادلون السلع من مواد غذائية وملابس وإلكترونيات وغيرها ومعظمها لا يمر عبر المسالك الرسمية .

وبالعودة إلى المواد الغذائية ، يشير محمد الطاهر ، الى أن الأزمة التي تمر بها بلادنا سيما منذ سنتين أجبرت العديد من التجار وحتى بعض الموظفين على التوجه نحوالسوق الجزائرية سواء باعتماد سيارات خاصة أو حافلات سياحية لجلب مؤونتهم الشهرية من الغذاء وما أمكن من مواد أخرى تزيد عن حاجاتهم لبيعها في تونس وهم يحققون بذلك ربحا ماديا محترما ، حيث تتم عملية الترويج اما لجيران التاجر أو عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كفايسبوك وتيك توك وتيليغرام وغيرها .
وعرج محدثنا على أن هذه التجارة لا يمكن أن تدخل في خانة التهريب باعتبار أن الكميات تكاد تكون محدودة وأغلب من يشتغلون على هذا الخط يعلمون أن جريمة التهريب للمواد الغذائية والمحروقات الجزائرية يصل عقابها إلى أكثر من 30 سنة سجنا باعتبار أن الجزائر تعتمد على آلية دعم هذه المنتجات منذ استقلالها وتوفر ما يزيد عن 17 مليار دولار سنويا للدعم ، مشيرا إلى أن السلطات الجمركية هناك غالبا ما تتساهل مع الحمولات الخفيفة وتعتبرها للاستهلاك الشخصي لحامليها .

ضرورة وضع فاصل بين الصناعيين ومستحقي الدعم

رئيس الجمعية التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي أفادنا أن اي بضاعة تدخل عبر الحدود التونسية دون إثبات المصدر تمثل خطرا على صحة المستهلك أولا وتعدياّ على قانون التجارة الداخلي الذي يتطلب توفر فواتير للبضائع المروجة في الأسواق، وقدّم مثالا على أن بيع المنتجات مجهولة المصدر يشكل تحديا على الصحة العامة على غرار مادة العصير التي تسببت في مشاكل صحية لدى بعض المواطنين لإحتوائها على مواد ملونة لا تستجيب للشروط الصحية .
وبخصوص لهفة بعض التجار للتزود بالمواد الغذائية من القطر الجزائري أوضح الرياحي أن ذلك لا يعدو أن يكون مجرد رغبة للربح المادي لا غير باعتبار والكلام لمحدثنا أن مشكل نقص المواد الغذائية في تونس يمكن وصفه بالاشكال المفتعل نتيجة تخزين المستهلك لكميات تفوق حاجته من جهة ، ومن جهة ثانية تأخر الدولة في بلورة قوانين تحمي المواد المدعمة من الاستغلال الصناعي والتجاري للمصانع التي تتولى تخزين كميات هامة على مدار السنة لإستغلالها في تصنيع الحلويات والمرطبات (سكر وزيوت وفارينة مدعمة) على حساب الطبقات الإجتماعية التي تحتاج هذه المنتجات . إذ عرج الرياحي على أنه باستثناء مادة الحليب التي عادت إلى بداية وفرتها في الأسواق وبلوغ الإنتاج اليومي لأكثر من مليون ونصف مليون لتر ، فإن باقي المواد الأخرى ما تزال تخضع وفق تقديره لمنطق المضاربة والإحتكار في السوق وهناك تباينات واضحة في مستوى توزيعها بين الجهات سيما بالنسبة للسميد والسكر والفارينة .
ولاحظ محدثنا أنه بات من الضروري إيجاد حلول ناجعة للمواد المدعمة في تونس وغلق الطريق أمام انتفاع الصناعيين بها إذ يخضعونها في ما بعد لأسعار حرة في صناعات غذائية ، وهو مازاد من تعميق مشكل الدعم في تونس على حساب الأمن الغذائي المهدد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

معضلة النقل العمومي في الأعياد : آن  الأوان لتغيير خطّة العرض و الحدّ من معاناة المواطن

عن إشكاليات النقل خلال عطل الأعياد، تتجدّد معاناة المواطن في مختلف مسالك حافلات الشركة الو…