2024-01-26

تكرّر اندلاع الحرائق بالمبيتات والتسمم الغذائي للتلاميذ : هل بلغ انحدار الخدمات المدرسية أقصاه..؟

تعرض مؤخرا 14 تلميذا لحالة تسمم غذائي  بأحد المبيتات المدرسية بسيدي بوزيد إضافة إلى اندلاع حريق بأحد المبيتات بالجهة وتعرض 6 تلاميذ لحالة تسمم غذائي بأحد المبيتات بزغوان..  أحداث مؤلمة تعيد إلى الأذهان العديد من الحالات المشابهة التي تحتفظ بها الذاكرة لسلسة من الحرائق شملت العديد من المبيتات  ناهيك عن حالات التسمم الغذائي التي تشي بانحدار مستوى الخدمات المقدمة للتلاميذ بالمبيتات …

حيث احتفظت وحدات الحرس الوطني بزغوان بكل من مدير مؤسسة تربوية، ورئيس وحدة خدمات مدرسية وطباخ وحافظ مغازة اثر تعرض 14 تلميذة لحالة تسمم ، وفق ما أفادت به الادارة العامة للحرس الوطني..سيناريو خطير يتكرر لاندلاع الحرائق بالمبيتات والتسمم الغذائي للتلاميذ ،فهل بلغ انحدار الخدمات المدرسية اقصاه ؟

في هذا السياق تقول الدكتورة سلوى العباسي متفقدّة عامّة و خبيرة انه تجدر الإشارة في البدء إلى أنّ خدمات الإعاشة والمبيت في مدارسنا العموميّة تجربة تمتدّ إلى فجر الاستقلال بعد إرساء الدولة مقاربة أولى يصحّ نعتها بـ«لا مركزيّة الخدمات الاجتماعيّة المدرسية» دامت منذ تعميم المؤسسات التعليميّة بداية الستينات واحتوائها مطاعم ومبيتات لفائدة تلاميذ بعيدي مقرّ السكنى. فلم يكن يخلو معهد ثانويّ عموميّ منها. وكان مديرو المؤسسات هم غالبا مديرو تلك المبيتات مع وجود قيم عام داخليّ وخارجيّ وأعوان تأطير من قيمين وأعوان خدمات من عملة التربية. وكان المدير هو الآمر بالصرف في إجراء عمليات التزود بمواد الإعاشة وتجهيز المطاعم والمبيتات وصيانتها ومراقبتها المراقبة التربوية والصحية الموائمة لمشروع رفع الأمية وتعميم التعليم الوطني على الجميع ذكورا وإناثا. وهذا في كنف استقلالية ميزانية المؤسسة التربوية في علاقة مباشرة بالإدارات الجهوية دون المرور بالوزارة.

وتضيف محدثتنا أنه بداية من سنة 2016 مع صدور الأمر الحكومي عدد 664 بتاريخ 25 ماي 2016 بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية ،المتعلّق بإحداث ديوان الخدمات المدرسيّة وبضبط تنظيمه الإداري والمالي وطرق تسييره، أضحى الديوان مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلال المالي، وأصبحت مهمته مركزيّة تتمثّل في الإشراف مباشرة دون مرور بالمندوبيات على سير المطاعم والمبيتات المدرسية ودعمها والسهر على تحسين ظروف الإقامة بالمبيتات. فتحوّلت المقاربة المدرسية الاجتماعيّة إلى مقاربة مركزية لا تسمح لمدير المعهد أو الإعدادية بالتزود مباشرة بالمواد الغذائية والصحية والتجهيزات التابعة للفروع الجهوية أو الوحدات. وصار على رأس كل وحدة مدير يعيّن من السيد وزير التربية. ومن هنا ظهرت عديد الإشكالات على حد تعبيرمحدثتنا مفسّرة ذلك بان  التعيين يتمّ دون تكوين مسبق وفي غياب التناظر بالملفات واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والمقاربة بالمشاريع التي يجب أن تخضع لها كلّ مناظرات الانتداب مّما فتح الباب على مصراعيه أمام المحسوبيّة والولاءات والنفوذ الحزبي وخاصّة النقابي وظهرت مؤخّرا معايير القرابة العائلية والجهوية العصبية.

اضافة الى ما سبق هناك جانب ضعف الحوكمة وازدواجية التسيير داخل المؤسسة التربوية مما عاد بالضرر على خدمات التزود وأدخل شبهات سوء تصرف مالي وإداري على إبرام الصفقات العمومية بالعودة دائما إلى الديوان المركزي في الوزارة والذي تبلغ ميزانيته قرابة 140 مليار سنويا وهذا يخلق مشاكل حينما يرفض المزودون الخواص مدّ المؤسسات بالمواد الضرورية أو يتأخرون في عمليات التزويد  ويتفاقم الأمر مع شحّ بعض الضروريات كالحليب والخبز والأرز واللحوم والخضر والسكر وغيرها من المواد الغذائية فيفضل المزودون الخواص البيع بالحاضر على البيع المؤجل.

بالاضافة الى ان العاملين في الدواوين الجهوية من طباخين وقيمين تابعين إلى أسلاك وزارة التربية يتمتعون بالحق في النقل مما  يجعل تلك المطاعم والمبيتات عرضة بصورة دائمة إلى شغورات طارئة غير محسوبة مؤقتة أو دائمة.

وتؤكد محدثتنا انه رغم جهود وزارة التربية المبذولة في تكوين إطار العملة إلاّ أنّ أغلبهم لا يملكون كفاءات الخدمات الاجتماعية الأساسية منها المعرفة بأبسط قواعد التخزين والحفظ الصحي والسلامة الغذائية وصيانة التجهيزات واستعمالها ، إضافة إلى الجهل بالتصرف وعقد الصفقات العمومية والتعامل مع المزودين.

في هذا السياق تعرض الدكتورة سلوى العباسي جملة من الحلول والبدائل للنهوض بقطاع الخدمات المدرسية مشيرة إلى المقاربة المجتمعية الشاملة لا المنظومية التي لا علاقة لها بمجال الخدمات المدرسية لأنّها سليلة علم المناهج التعليمية والمنظومات التربوية واستعمال هذا المصطلح من قبل بعض المسؤولين، كيفما اتفق لا ينسجم مع وضع المبيتات والمطاعم ولا يلبي أدنى حاجات الحياة المدرسية  ورهانات جودة التعلم ومبادئ الإنصاف ليظلّ التشدّق بها مجرّد شعار مجانب للحقيقة والواقع قافز على السياق يحجب ما يعانيه التلاميذ في مؤسساتهم من مشاكل النقل والإعاشة والمبيت التي أدت إلى انقطاعات مهولة عن التعلّم وتعريضهم خاصّة إلى حوادث وأخطار التسمم والموت حرقا أو بعد الإصابة بمرض لا يجدون أبسط شروط الإسعاف الطبي والتدخل الجراحي متى اقتضت الضرورة، فضلا عن أنّ هذا يسهم في ضرب قيم الانتماء إلى المؤسسة والوطن ويجعل ما يتعلّمه الطفل طيلة اليوم من قيم ومعارف ينسف وقت الغداء أو العشاء أو النوم ليستفيق المتعلّم التونسي على حيف وظلم وجور اجتماعيّ تربويّ مطرد لم تفلح سياسات الدولة ولا وزارة التربية في وضع حدّ له ومطابقة القول للفعل وجعل المدرسة خليّة اجتماعيّة فاعلة ذات إشعاع وعنوانا ساطعا من عناوين الإنصاف وتكافؤ الفرص فوق الربوة وتحتها وعلى ساحل البحر وفي عمق الأرياف والصحراء وعلى كامل حدود الخريطة.

ولذا من أفضل الحلول التي تراها الدكتورة سلوى العباسي مناسبة، ترحيل هذا الديوان بجميع العاملين فيه إلى وزارة الدفاع التي قلّما تحدث في ثكناتها ومطاعم جنودها وضبّاطها حالات تسمّم أو حوادث أو اختلاسات ماليّة أو تحطيم تجهيزات دون صيانتها أو تأخّر في عمليات التزوّد اليوميّ والأسبوعيّ والشهريّ بالمواد اللازمة للإعاشة والنوم المريح. وزارة الدفاع هي الوحيدة القادرة على فرض الانضباط وحسن التسيير والحوكمة الرشيدة لما يتوفّر فيها من قوانين ووسائل نقل وبناء وصيانة وتجهيزات وصحة عسكريّة.

ومن الإضافات المهمّة أن تكون الحياة المدرسية في مقدّمة أولويات الخدمات الاجتماعيّة للمؤسّسة التربويّة بمقاربة جديدة، تعنى بكل ما يمتّ بصلة إلى تكوين شخصيّة الطفل المتعلّم في أبعادها الجسديّة والنفسيّة والاجتماعيّة الثقافيّة. فلا يكتفى بالمطاعم والمبيتات ليقع التفكير في مشاريع تربويّة طلائعيّة تنمّي الحسّ المواطني بالأعمال التطوعيّة المدنيّة وتربّي الطفل بمفاهيم التربية الإيجابيّة الشاملة ومبادئ «مدرسة الحياة» من خلال إنماء معارفه وأرصدته الفكرية بالمكتبات والموارد الرقمية وتهذيب أخلاقه وذوقه وصقل مواهبه وتشجيع الرياضات البدنية الجماعية والفردية والفرق المسرحية والخرجات والرحلات الاستطلاعية والإذاعات المدرسية والصحف والمجلّات والقيام بحملات التشجير والبستنة وتربية الحيوانات وإرساء مخابر والمباريات الثقافية والسينما والمسرح والفنون التشكيلية ورفد التعلّمات بمهارات الحياة وتحويل المدارس ذات المطاعم والمبيتات وغيرها من المؤسسات إلى مدارس جاذبة مرغّبة في التعلم والنجاح قلبا وقالبا.

في السياق نفسه  أكد  مصدر موثوق بسيدي بوزيد فضل عدم ذكر اسمه أن الخدمات المدرسية بالجهات الداخلية للبلاد كارثية لا تستجيب للحد الأدنى من المقاييس المطلوبة ولعل حالات التسمم التي تحدث  تكشف  جزءا لا يتجزأ من معاناة كبيرة للتلاميذ   بالمبيتات …مشيرا في الآن ذاته باعتباره يعمل بالمعهد الذي  اندلع فيه حريق بالمبيت الى انه لم يتصل بهم أي مسؤول من الدولة للاطلاع على الوضع ومعاينة ما يحدث  والاطمئنان على  التلاميذ و كل العاملين بالمعهد على اختلاف تصنيفاتهم …ويؤكد المصدر نفسه أن  العديد من  المبيتات  آيلة للسقوط  وتمثل خطرا على التلاميذ مشيرا في الان نفسه إلى الوضع النفسي الصعب للتلاميذ المقيمين من المبيتات..  ألا يكفي أن الوجبات الغذائية المقدمة بعضها لا يسمن ولا يغني من جوع  مما يعني أن العديد منهم يعاني الجوع زائد البرد بالمبيتات لنقص الأغطية مشيرا إلى أن نقص المبيتات وتدني مستوى الخدمات له تأثير مباشر على التلاميذ اذ يدفع بالعديد منهم الى الانقطاع عن الدراسة وهو ما يفتح الباب على معضلة التسرب المدرسي التي تعدّ من اكثر المعضلات التي تعرفها مؤسساتنا التربوية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

السوق الصيفية للدروس الخصوصية تنتعش: أيّ الفوائد تُرجى منها ..؟

تعرف  السوق الصيفية للدروس الخصوصية انتعاشة سنويا بسبب إقبال العديد من العائلات على دروس ا…