إن تتالي زيارات العمل لمسؤولين سامين من دول الشرق إلى تونس مؤخرا على غرار جمهورية الصين الشعبية في ممثلها وزير الخارجية «وانغ يي» وروسيا الاتحادية في ممثلها وزير الخارجية سيرغي لافروف واليابان ممثلة في سامي مسؤوليها او مسؤولين سامين في الدولة وزيارة العمل المبرمجة لرئيس الجمعية الوطنية لجمهورية كوريا ( برلمان كوريا الجنوبية ) على رأس وفد برلماني من 17 الى 19 جانفي الجاري إلى تونس وغيرها من لقاءات العمل الرسمية الأخرى ، تترجم الحركية الدبلوماسية في اتجاه دعم التعاون مع مختلف دول قارة آسيا وفق المصلحة المشتركة والذي يأتي في إطار تنويع شراكات بلادنا مع الدول التي نلتقي معها في الحد الأدنى المشترك من حيث المواقف في علاقة بالقضايا الكبرى الإقليمية والدولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية أو من حيث طبيعة الشراكة القائمة على التعاون في مختلف المجالات وفق مبدإ احترام سيادة القرار الوطني.

فتوجّه بلادنا اليوم لتعزيز علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع بلدان الشرق وخاصة روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية فرضته المصلحة العليا للدولة باعتبار أن تنفيذ السياسات العمومية بهدف خلق الثروة وتحقيق النمو الاقتصادي ليس بمعزل عن السياسات الخارجية لبلادنا لما لها من دور هام ومحوري في جلب الاستثمارات وتفعيل مختلف أشكال التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي..وذلك بالتوازي مع دعم شراكاتنا الدبلوماسية والاقتصادية مع شركائنا التقليديين ونتحدث هنا عن دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وتلك أيضا القائمة مع الدول الشقيقة والصديقة في الخليج العربي أو في شمال إفريقيا وفي مقدمتها الجزائر وليبيا وفي القارة «السمراء» أيضا.

ونعتقد أن الواقع الاقتصادي للبلاد والأهداف المرسومة على المدى المتوسط والبعيد اقتصاديا واجتماعيا ومختلف التغيّرات المتسارعة سواء الإقليمية أو الدولية وانهيار الأحادية القطبية دعّمت هذا التوجه القائم على تنويع علاقات التعاون وبناء شراكات واعدة من خلال توسيع شراكاتنا مع دول القارة الآسيوية والقارة الأفريقية وفق ما يتناسب ومصالح دولتنا العليا وانتظارات شعبنا واحترام مواقفنا الرسمية والشعبية من كبرى القضايا.
ولعلّ تلقي رئيس الجمهورية قيس سعيد أيضا دعوة رسمية من رئيس جمهورية الكونغو ورئيس اللجنة رفيعة المستوى للاتحاد الإفريقي بشأن ليبيا «دنيس ساسو نغيسو» لزيارة برازافيل يوم 5 فيفري القادم للتشاور خاصة حول الملف الليبي يؤكد مرة أخرى أهمية الموقف الرسمي للدولة التونسية ودورها المحوري سياسيا وموقعها الاستراتيجي جغرافيا.وهو ما يؤشر إلى مستقبل واعد للشراكة التونسية الإفريقية في مختلف المجالات وما انضمامنا أيضا إلى التكتل الاقتصادي «الزليكاف» وإبرامنا لمختلف الاتفاقيات مع عدد من الدول الإفريقية إلا مؤشر على عراقة هذه الشراكة مع دول القارة الإفريقية والتي تشهد نسقا تصاعديا في اتجاه الارتقاء بها إلى أعلى المراتب على المستوى الدبلوماسي أو التعاون الاقتصادي.

ان موقع تونس الجغرافي الاستراتيجي فضلا عن وضوح الخطوط الكبرى لسياستها الخارجية خاصة بعد مسار 25 جويلية 2021 ومواقف بلادنا الرسمية والثابتة من كبرى القضايا الإقليمية والدولية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وتمسكها بسيادة قرارها الوطني رغم المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد منذ فترة على المستوى الاقتصادي والمالية العمومية أكسبها احترام الدول الكبرى العظمى والمتقدمة ودفع أغلب الدول إلى العمل على مزيد تطوير علاقات الشراكة والتعاون مع بلادنا.
وكما هو معلوم فقد كان لبلادنا شرف تنظيم الدورة الثامنة لندوة طوكيو الدولية للتنمية في افريقيا يومي 27 و28 أوت 2022 وتنظيم الدورة الثامنة عشر للقمة الفرنكوفونية بجزيرة جربة وبمشاركة 31 رئيس دولة وحكومة والدورة الثالثة للحوار التونسي الياباني حول الأمن ومكافحة الإرهاب التي تم تنظيمها يومي 5 و6 ديسمبر 2023.وغيرها من الملتقيات والمؤتمرات الإقليمية والدولية وأعمال اللجان السياسية المشتركة مع عدد من الدول الصديقة والشقيقة.

وانطلاقا من التغيّرات الإقليمية والدولية الجوهرية وتداعياتها على جميع الدول بما فيها بلادنا من جائحة كوفيد ـ19 إلى الأزمة المالية العالمية وصولا إلى الحرب الروسية ـ الأوكرانية ثم حرب الإبادة الجماعية التي يقودها الكيان الصهيوني على غزة ، وبناء على أن العلاقات الدولية لا تقوم على أساس تفاضلي أو اعتباطي فإنّ المحدد الوحيد للعلاقات الإستراتيجية بين بلادنا وغيرها من الدول الأخرى هو المصلحة العليا للدولة التونسية وسيادة قرارها الوطني في ضوء ما تطرحه هذه التغيرات من تحديات ورهانات تفرض ضرورة تفعيل وتعديل اتفاقيات التعاون مع شركائنا التقليديين وإعادة التشبيك وبناء شراكات جديدة بما يتوافق مع مصالح بلادنا السياسية والاقتصادية في المستقبل ،وما الحيوية والحراك الدبلوماسي الأخير بين تونس وكل من روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية على سبيل الذكر لا الحصر إلا برهان على ذهاب بلادنا في اتجاه تنويع علاقاتها مع دول الشرق والتي تؤصّل إلى علاقات دولية تقوم على قاعدة الاحترام والمصالح المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لدعم الشركات الأهلية : مقترحات جديدة للتمويل..

تتواصل الجهود اليوم من كافة الأطراف ذات العلاقة بملف الشركات الأهلية لتذليل كافة الصعوبات …