2024-01-14

في وصلها بتاريخ 17 ديسمبر 2010 اليوم الذكرى 13 لملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة: … وتونس الأخرى ما تزال ممكنة..!

في مثل هذا اليوم من سنة 2011 وبعد أيام دامية تلت واقعه إضرام محمد البوعزيزي النار في جسده يوم 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد صرخ عبد الناصر العويني في شارع بورقيبة بالعاصمة «بن علي هرب.. يا توانسة معادش ثمّة خوف» وقال أحمد الحفناوي «هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية» أجل لقد كانت لحظة تاريخية لكننا هرمنا ولم تتحقق أهداف الثورة.

اليوم، بعد 13 سنة لا أحد يستطيع ان ينكر ان التونسيين يكابدون أوضاعا صعبة وان أزمة مركّبة اقتصادية اجتماعية سياسية قيمية تعصف بالمجتمع التونسي وتهدد حاضره ومستقبله بل وتنسف كثيرا من منجز دولته الوطنية ومع ذلك ليس ثمة وجاهة ولا إنصافا ولا موضوعية في التحامل وإلقاء اللعنة على ما حصل ببلادنا بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011.

قد نختلف كما أسلفنا عديد المرات في توصيف ما حصل سواء اعتبرناه انقلابا داخل الحكم أو ثورة شعبية أوانتفاضة على الضيم و«الحقرة» أومجرد حركة احتجاجية وظفها الخارج وتلاعب بها البعض في الداخل وتعامل معها البعض الآخر بمنطق الغنيمة، لكننا لا نستطيع ان ننفي على الشعب التونسي انه أنجز ملحمة أخرى من ملاحمه التي تواترت منذ الاستقلال في ستينات القرن الماضي وصولا الى الإضراب العام 26 جانفي 1978 وانتفاضة الخبز 3جانفي 1984 وأحداث الحوض المنجمي عام 2008.

هي ملحمة لم تكتمل، يقول البعض عنها انها كانت ثورة مهدورة أوثورة مغدورة أو ثورة مسروقة، ويتحدث البعض عن انتصار الثورة المضادة وعن ان تضحيات التونسيين ذهبت سدى وان «أثرياء الثورة» هم الذين عطّلوها وغنموا منها وعثّروا مسارها الى أن وصلنا الى ما نحن فيه اليوم من صعوبات جمّة انعكست سلبا على مستوى العيش وأصبح الوقوف في الطوابير «واجبا» يوميا للتونسيين للحصول على المواد الأساسية ومع ذلك لا يستطيع احد ان ينكر اننا لم نعد كما كنا قبل 2011 ، أكثر من ذلك لا أحد يستطيع أن يعيدنا الى ما قبل 2011.

إن ثورات الشعوب تنتكس لكنها لا تموت ومن يقرأ التاريخ يقف على حقيقة ان فعلا تراكميا يسمح لبني البشر إذا توفرت لديهم الإرادة، وتواصل إهدار حقّهم الإنساني في الحياة وفي التمتع بالكرامة المتأصلة في بني البشر، ينهضون ويعودون من بعيد كما يقال ويستعيدون ثورتهم.

لقد كان الحدث ذا شأن يوم 14 جانفي 2011 ، وبعده مباشرة كانت الأحلام كبيرة صراحة لكن رياحا كثيرة سارت بنا الى حيث ما لا يريد الشعب.

ان رمزية تاريخ 14 جانفي تحديدا تكمن في انها لحظة سقوط صورة ورمزية النظام وليس النظام في حد ذاته بهروب أو إجبار رئيس الجمهورية آنذاك ـ ونحن حينها كنا في نظام رئاسوي مطلق ـ والاستجارة بالمملكة العربية السعودية، وكل ما حصل بعد ذلك بُني على هذه اللحظة بتلبيس الثورة رداء دستور النظام الذي قامت عليه الثورة بحجة الانتقال السلمي والسلس والقانوني الشرعي للسلطة وأصبح رئيس البرلمان في النظام المُثار عليه رئيسا لجمهورية الثورة بل اكثر من ذلك جيئ برمز من النظام القديم لتأمين المرحلة المؤقتة والوصول الى انتخابات خلطت الأوراق وفتحت البلاد أمام حكم الإسلام السياسي الذي لم يكن مؤهلا ولا قادرا على ادارة الدولة..!

وعلى هذا الأساس يجوز القول ان الشعب الذي كان يفتقد لقيادة ثورية أهدر ثورته وفرّط فيها وعرّض مكاسبها للخطر وهو يدفع اليوم الثمن باهظا وقد تستمر حالة الاستنزاف بعض الوقت الذي يتوجب فيه استخلاص الدروس حتى لا تتكرر المأساة.

بمقاس الربح والخسارة، تحطمت كثير من الأحلام والآمال وانضافت للتونسيين جراح كثيرة عندما ساد العنف وتغوّل الارهاب وعرفنا الاغتيالات السياسية باستشهاد شكري بلعيد والحاج محمد البراهيمي، واستهداف المؤسستين الأمنية والعسكرية وبروز العمل على أسلمة المجتمع بشتى الطرق وكأن التونسيين لا يعرفون دينهم، وأصبحت البلاد مرتعا لذيول الخارج ومستباحة لدرجة يمكن فيها لأجنبي ان يخترق الجغرافيا ويغتال تونسيا على الأرض التونسية ويغادرها آمنا كما حصل مع الشهيد محمد الزواري..

بمقاس الخسارة أيضا لم يتغير منوال التنمية الذي أدى الى الثورة إلى اليوم ولم تتحقق العدالة بين الجهات ولم تنجح المؤسسات الجديدة في إرساء الديمقراطية وتجذيرها في المجتمع فعجزت الهيئات المستقلة والدستورية على القيام بوظيفتها على الوجه الأكمل وأصبح عمل المؤسسة التشريعية محل تندّر وسخرية فيما تسبّب الصراع داخل منظومة الحكم وبين الرئاسات الثلاث في تعطيل دواليب الحكم وعاد كل هذا بالوبال على البلاد والعباد وأصبحت الشعبوية ملاذ الجميع للإيهام بأن هذا الشخص أوذاك يحمل المصباح السحري للخروج من عنق الزجاجة في ظل ضعف الاحزاب والمنظمات والنقابات اي الوسائط التقليدية في الديمقراطية..!.

أما في باب الربح والمكاسب، فقد حقق التونسيون الكثير لأنفسهم بفضل ملحمتهم التي لم تكتمل.

صحيح ان حالهم اليوم ليس على ما يرام وان منظومة الحكم قد تكون مكبّلة بتركة الماضي وتعوزها القدرة على التغيير الجذري وتدفعها الى الحيطة وحتى الى ارتكاب الأخطاء، لكن تونس الأخرى ما تزال ممكنة، تونس الجديدة التي تقوم على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، تونس التي تفتح ذراعيها لكل ابنائها فلا يُلقي احدهم بنفسه في البحر هربا نحو الجنة الموهومة في الشمال، ولا يحمل السلاح ويعتنق الارهاب لضربها، ولا يلوذ الى العصيان والتمرد كما تنص على ذلك شرعة حقوق الانسان ردا على ضرب الحريات وتكميم الافواه واهدار الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية مهما تكن الاسباب والمسببات فالمضطلع بأعباء الحكم مطالب في دولة المواطنة بالانحناء لارادة المواطنين والعمل معهم من أجل تحقيق اهداف ثورتهم واسترجاع بريقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إنقاذ «المصعد الاجتماعي» لم يعد يحتمل التأجيل: «التوانسة» يواصلون تعديل ساعاتهم على الباكالوريا

«نسبة النجاح مشرّفة جدّا».. هكذا علّقت وزيرة التربية سلوى العباسي على نتائج الدورة الرئيسي…