2024-01-11

مع صعود نجم جديد الى رئاسة الحكومة الفرنسية : هل تشهد العلاقات مع تونس انفراجا ومزيدا من الانفتاح والدعم؟

لا يختلف اثنان ان العلاقة بين تونس وفرنسا، ليست على ما يرام، وانها لا يمكن ان توصف بالجيدة او القوية او المثمرة، سواء الان او حتى خلال العقود الفارطة، لكن صعود غابرييل أتال غداة استقالة إليزابيث بورن بعد 20 شهرا على توليها المنصب، يمكن ان يؤشر الى احتمال انفراج في الملفات المتراكمة بين العاصمتين، وعلى رأسها بلا شك ملف الهجرة والتعاون الاقتصادي والدعم المالي والموقف في داخل الاتحاد الاوروبي، والذي ترى فيه تونس انه موقف سلبي وغير داعم، وعطّل عديد المرات الموقف الايجابي الايطالي الذي كان يمكنه ان يخدم تونس كثيرا لو تجاوبت معه باريس.

صحيح ان ملف العلاقات الخارجية، وخصوصا مع المستعمرات السابقة، في يد ماكرون، لكن وجود رئيس جديد على رأس الحكومة، يمكن ان يزحزح العلاقات قليلا نحو الايجاب، خاصة وان الملفات التي تعيق التطبيع الرسمي بين تونس وباريس في أغلبها أقرب للملفات الداخلية ولا تحتاج الى استراتيجيات دولية خارجية أو الى تغيير في السياسات الخارجية الفرنسية.
السيدة إليزابيث بورن التي حكمت قرابة السنتين لم تكن تميل كثيرا الى تونس ولم تزرها ولم تعقد مع حكوماتها المتعاقبة أي اتفاق مثمر، واكتفت بارسال المبعوثين اما للضغط على تونس في ملفات الهجرة والاقتراض او لفرض شروط معينة في مجال استقبال السلع والصادرات التونسية، او بالخصوص لتبليغ الجانب التونسي وجهة نظر باريس في خصوص التوجهات السياسية للحكومات التونسية المتعاقبة.

وهو اسلوب لا يمكن ان يستمر عليه غابرييل أتال خصوصا وقد أثبت هذا الأسلوب فشله في افريقيا التي خرجت منها فرنسا تقريبا بشكل نهائي في عهد إليزابيث بورن، وبالتالي لا يمكن المواصلة في نفس هذه السياسات الفاشلة، وهو ما يستشفّ منه امكانية تغيير ايجابي في العلاقات مع تونس أيضا، خصوصا وان تونس لا تتحوز على أهمية خارجية لفرنسا بحجم ليبيا او النيجر ومالي وبوركينا فاسو وغيرها من دول النفط واليورانيوم، لكنها في المحصّلة حليف قوي وقديم وله مكانته التي ليس من مصلحة غابرييل أتال، وهو القادم من أصول يهودية تونسية ان يخسرها او يفرّط فيها.

تعرف تونس جيدا ان باريس هي بوابة أوروبا بالنسبة لها، وان الرهان على روما او برلين يمكن ان يقوي الموقف التونسي لكنه لا يمكن ان يحسمه الا بموافقة باريس وختمها وامضائها، وهو ما حصل في ملف الهجرة غير النظامية وعطّل آلاف المليارات التي كانت ستتدفق في شكل مساعدات ومنح الى تونس، بسبب تلكؤ باريس وعدم موافقتها على كل مقترحات تونس وايطاليا في هذا المجال.
نفس الامر بالنسبة لقرض صندوق النقد الدولي والبنك الاوروبي، فباريس كانت هي حجر العثرة في حسم هذه القروض، لكنها آثرت الانتظار حتى تتبين ملامح النظام السياسي الجديد في تونس، وتفرض عليه بعض شروطها الماسّة بالسيادة، وتضغط عليه ايضا لإعادة الاعتبار لبعض من اتخذ في حقهم قيس سعيد اجراءات ترى باريس انها «مخالفة للديمقراطية» التي تدّعي انها مؤتمنة عليها في البلدان التي كانت تدور في فلكها.

وبالمحصّلة فان المهمة الان موكولة كليا على عاتق الدبلوماسية التونسية وخصوصا تلك الارتال الضخمة من القناصل والدبلوماسيين والملحقين والموظفين في مقراتنا بفرنسا، والذين عليهم الان ان يثبتوا انهم فعلا أكفاء لتمثيل تونس في فرنسا وفي اوروبا كلها، وتسهيل اعادة المياه الى مجاريها بين الايليزيه وقرطاج، واعادة الحرارة الى قنوات الاتصال والتواصل بين فرساي والقصبة، وكسر الجمود في أقدم وأعرق علاقة دبلوماسية عرفت سنوات من الربيع الدبلوماسي ان صح التعبير كانت فيه باريس أقرب وأوثق واقوى حليف لنظام الزعيم بورقيبة، وكانت أيضا الشريك الاقتصادي الاول وتقريبا الأوحد لنظام زين العابدين بن علي وان كانت لا تكنّ له كثير ودّ، وبامكانها اليوم ان تعود الى سالف ازدهارها خاصة اذا عرفت الدبلوماسية التونسية كيف تتعامل مع رئيس الحكومة الجديد، في كنف الحفاظ على السيادة والدفاع عن الحقوق.
رئيس الحكومة الفرنسية الجديد يعرف ان فرنسا خسرت كثيرا جدا خلال السنة الفارطة في افريقيا، ويعرف ان المحافظة على علاقات جيدة مع حلفاء كتونس لن تكلفه الكثير، وما على الدبلوماسية التونسية الا ان تلعب على هذه الأوتار، وستنجح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

رهان قد يصعب الايفاء به: استعادة صناعة الورق المدرسي من حلفاء القصرين

عوامل عديدة وتراكمات جمّة حكمت على شركة عجين الحلفاء بالقصرين بالخروج مبكرا من السباق الاق…