2024-01-09

بينما يمضي الرئيس في استكمال بناء مشروعه السياسي : أحزاب تصارع من أجل البقاء وأخرى ترتّب بيتها للتموقع من جديد..!

يؤكد واقع المشهد السياسي أنه قد مرّ بعد 14 جانفي 2011 بفترتين. تميزت الأولى بطفرة حزبية هامة وصلت الى حد التخمة، وما رافق ذلك من زخم كبير في البرامج وتدافع في المشاركة في الانتخابات وتهافت على السلطة وعلى التواجد في البرلمان. ومنذ 25 جويلية 2021 دخلت هذه الأحزاب فترة ثانية تميزت بتراجع جميعها ووصول بعضها الى درجة الاندثار. وكاد يقتصر دور تلك التي صارعت من اجل البقاء على التعبئة ضد سياسات الرئيس قيس سعيد وإقناع التونسيين أنه لا يمكن الاستمرار بهكذا وضع وبضرورة العودة إلى الديمقراطية الحقيقية.
في المقابل تجاهل الرئيس هذه الأحزاب التي أصبح همها الأساسي شيطنته والرهان على اسقاط منظومته وواصل المضي في مشروعه السياسي القاضي ببناء النظام القاعدي بعد انجاز الانتخابات التشريعية في اكتوبر2022، التي تراجعت فيها مشاركة الأحزاب بشكل ملفت، كما تأكد هذا التراجع أيضا في الانتخابات المحلية التي انتظم دورها الأول قبل موفى ديسمبر2023. وبالتوازي مع تحرك سعيد في اتجاه استكمال أسس مشروع النظام القاعدي الذي قطع فيه اشواطا هامة، ستختتم بتركيز المجلس الوطني للجهات والاقاليم في أفريل المقبل، فان بعض الأحزاب التي يبدو انها رافضة لسياسة الامر الواقع قد انطلقت من جهتها في إعادة ترتيب بيتها الداخلي.

وفي هذا الإطار أعلن الأمين العام لحزب حركة النهضة العجمي الوريمي في تدوينة على صفحته الشخصية ان هناك نية صلب الحركة للقيام ببعض المراجعات التي تتماشى مع المرحلة الحالية ومتطلّباتها.
وقبل ذلك شهدنا خلال مؤتمر تأسيسي انعقد قبل موفى ديسمبر الماضي ولادة حزب الائتلاف الوطني بعد أن كان ائتلافا حزبيا. وحسب رئيس هذا الحزب الجديد الناجي جلول فان حزبه يقدم نفسه كبديل للمنظومة الحالية وسيقدم تشكيلة حكومته بالتزامن مع ترشحه للرئاسية وسيضع بديلا للمنوال الاقتصادي القائم حاليا وسيكون بديلا للسلطة الحالية. وقد انطلق هذا الحزب بعد في إعداد العدة للمشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة وما يليها من استحقاقات انتخابية.
وأكد جلول على ان حزبه إذا ما تولى السلطة سيقوم بالقطع فورا مع المنظومة الحالية للبناء القاعدي وسيعمل على العودة إلى حياة سياسية تقليدية، واضحة المعالم، باعتبار أنه لا توجد ديمقراطية دون أحزاب. سينطلق حزب الائتلاف الوطني في تنظيم انتخابات المنسقين الجهويين والمحليين الذين سيتولون انتخاب قيادة الحزب بما فيها رئيس الحزب خلال فترة حددت بأربعة أشهر من تاريخ المؤتمر التأسيسي الذي انعقد في منتصف ديسمبر 2023.

ولاحظنا أيضا تحركا صلب حزب آفاق تونس الذي خلناه انسحب من الحياة السياسية، حيث تم في شهر ديسمبر من السنة المنقضية انتخاب ريم محجوب رئيسة خلفا لفاضل عبد الكافي الذي استقال في شهر أكتوبر من نفس السنة. وبالمناسبة عبر آفاق تونس عن رفضه واستهجانه للخيارات السياسية للرئيس قيس سعيد، حيث اعتبرتها قيادة الحزب هجينة ولن تساهم في تغيير حياة التونسيين، لتؤكد هذه القيادة على أنها غير معنية بمختلف المحطات الانتخابية المنبثقة عن هذه الخيارات.
وكانت ريم محجوب إثر صعودها لرئاسة آفاق تونس قد صرحت بأن حزبها يتجه خلال المرحلة القادمة نحو ترتيب البيت الداخلي بهدف توحيد ولمّ شمل عائلته الموسعة، مع التركيز على تكوين الشباب وتوسيع العمل القاعدي. كما صرحت أنه خلال المرحلة القريبة القادمة سيتم العمل على سد الشغورات الحاصلة في هياكل الحزب على غرار نائب رئيسه ورئيس مكتبه الوطني. كما سيتم العمل على الانفتاح على الكفاءات الوطنية في مختلف المجالات لمحاولة تقديم الحلول الممكنة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المطروحة في البلاد.

ومع بداية شهر ديسمبر 2023 أيضا عقدت حركة «حق» مؤتمرها الأول وأعلنت على إثره عن تركيبة هيئتها التنفيذية. وهذه الحركة بنيت على أنقاض حركة مشروع تونس وتمثل عملية انصهار بينها وبين حراك درع الوطن وشباب البديل. وبالتالي يمكن الإقرار بانها تتكون من أحزاب كانت لها تجارب حزبية فاشلة. ومع ذلك تم الاتفاق داخل قيادة الحركة الجديدة على مدة 24 شهرا لبناء هذا المشروع السياسي الجديد وفتح المجال لاستقطاب الكفاءات الشبابية والسياسية اليه. مع مواصلة العمل على تنفيذ الانصهار على المستوى الوطني والجهوي، وتركيز هياكل الحركة.
وحسب بعض قيادييها فانه بعد الركود الحزبي الذي عاشه المشهد السياسي منذ جويلية 2021 ظهرت حاجة تونس من جديد الى إعطاء نفس للأحزاب وللسياسيين ولجيل سياسي حامل لرؤى وبرامج وطرق عمل تتماشى ومتطلبات المرحلة القادمة ليكونوا طرفا في وضع الحلول للأزمات الخانقة والإشكاليات التي تمر بها البلاد في جميع المستويات.

وفي نظرة شاملة لبعض هذه التحركات الحزبية التي أتينا عليها يمكن ملاحظة ان جميعها ذات نفس معارض لتمشي الرئيس قيس سعيد في رؤيته للسلطة ولنظام الحكم. ولكن ما يمكن ملاحظته أيضا هو اختلاف آليات المعارضة وادواتها عما كانت عليه، ووجود نفس جديد للعب هذا الدور السياسي المحوري في العملية الديمقراطية في محاولة للتعاطي مع المرحلة بعدم التركيز على المعارك مع السلطة بقدر تركيزها على الشأن العام وعلى مشاكل البلاد التي تستوجب إيجاد الحلول لها. ولكن مهما اختلفت آليات المعارضة وأدواتها فإنها ستواجه لا محالة آلة السلطة التي من دورها الدفاع عن مشروع الرئيس الذي سيتحقق مباشرة عند اكتمال وضع أسسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

في انتظار دعوة رسمية من إيطاليا: تونس في قائمة الدول المدعوة لحضور قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى

تم إعلاميا تداول خبر اعتزام إيطاليا دعوة عدد من قادة الدول الافريقية والجنوب امريكية والهن…