2024-01-07

في‭ ‬الذكرى‭ ‬38‭ ‬لتأسيس‭ ‬حزب‭ ‬العمال: أيّ‭ ‬دور‭ ‬لليسار‭ ‬التونسي‭ ‬اليوم؟

تمرّ‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬الذكرى‭ ‬38‭ ‬لتأسيس‭ ‬حزب‭ ‬العمّال‭ (‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الشيوعي‭ ‬التونسي‭ ‬سابقا‭) ‬ذات‭ ‬3‭ ‬جانفي‭ ‬1986،‭ ‬وقد‭ ‬أصدر‭ ‬الحزب‭ ‬بيانا‭ ‬مطوّلا‭ ‬بالمناسبة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬ا38‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬النضال‭ ‬المتماسك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تونس‭ ‬الحرة‭ ‬والعادلةب‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تنظيم‭ ‬بعض‭ ‬التظاهرات‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬تم‭ ‬فيها‭ ‬توجيه‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬عموم‭ ‬التونسيين‭ ‬وأبناء‭ ‬الحزب‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اأصدقاءب‭ ‬الحزب‭. ‬

والحديث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬أصدقاء‭ ‬حزب‭ ‬يساري‭ ‬يفرض‭ ‬بالضرورة‭ ‬العودة‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬قديم‭ ‬جديد‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬هذا‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬الكثير‭ ‬للبلاد‭ ‬لكنه‭ ‬ظل‭ ‬تائها‭ ‬بين‭ ‬مهمّات‭ ‬المعارضة‭ ‬والاحتجاج‭ ‬والتضحية‭ ‬بالغالي‭ ‬والنفيس‭ ‬مقابل‭ ‬إهمال‭ ‬مسألة‭ ‬الوصول‭ ‬ومسك‭ ‬السلطة‭ ‬لترجمة‭ ‬الأحلام‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬

وإذا‭ ‬استثنينا‭ ‬تجارب‭ ‬أواخر‭ ‬الستينات‭ ‬وبداية‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬حزب‭ ‬العمّال‭ ‬هي‭ ‬التجربة‭ ‬الأهم‭ ‬تنظيميا‭ ‬في‭ ‬العائلة‭ ‬السياسية‭ ‬اليسارية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تونس‭ ‬الحديث‭ ‬بعد‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الذي‭ ‬أهدر‭ ‬بعض‭ ‬المنتسبين‭ ‬له‭ ‬مائة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬الوجود،‭ ‬وقد‭ ‬عرف‭ ‬بدوره‭ ‬هزات‭ ‬كبيرة‭ ‬وزاده‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬قبل‭ ‬ملحمة‭ ‬14‭ ‬جانفي‭ ‬2011‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬المعاناة‭ ‬وتعرّض‭ ‬قادته‭ ‬ومناضلوه‭ ‬إلى‭ ‬الحصار‭ ‬والملاحقات‭ ‬والسجن‭ ‬والتعذيب‭. ‬

وكما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬الحزب،‭ ‬فقد‭ ‬تأسّس‭ ‬قبل‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬احاملا‭ ‬كل‭ ‬الأبعاد‭ ‬الرمزية‭ ‬والطبقية‭ ‬والسياسية‭ ‬لتاريخ‭ ‬انتفاضة‭ ‬الخبز‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬قبل‭ ‬عامين‭ ‬ولكل‭ ‬تواريخ‭ ‬انتفاضات‭ ‬شعبنا‭ ‬التي‭ ‬أغرقتها‭ ‬الرجعية‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬الدم‭ ‬وحالت‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬في‭ ‬التحرّر‭ ‬الوطني‭ ‬الكامل‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعيةب‭. ‬

ويعتبر‭ ‬الحزب‭ ‬أن‭ ‬أوجه‭ ‬الشبه‭ ‬كثيرة‭ ‬بين‭ ‬أوضاع‭ ‬بلادنا‭ ‬اليوم‭ ‬والبارحة‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬ويتوقف‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسمّيه‭ ‬إهدار‭ ‬اثورة‭ ‬17‭ ‬ديسمبر‭ ‬14‭ ‬جانفيب‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬الى‭ ‬التصفية‭ ‬النهائية‭.‬

وانسجاما‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المناسبة‭ ‬استحضر‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬بيانه‭ ‬محطات‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬النضالات‭ ‬وتوقّف‭ ‬عند‭ ‬تضحيات‭ ‬مناضليه‭ ‬وأبرز‭ ‬البعد‭ ‬القومي‭ ‬والأممي‭ ‬في‭ ‬مواقفه‭ ‬وانحيازه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ليخلص‭ ‬إلى‭ ‬المهام‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬معارضة‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬وإسقاط‭ ‬منظومة‭ ‬الحكم‭ ‬التي‭ ‬يوصّفها‭ ‬بالشعبوية‭ ‬وهذه‭ ‬كانت‭ ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬أطروحات‭ ‬اليسار‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتأخر‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عمّا‭ ‬يعتبره‭ ‬وجها‭ ‬قبيحا‭ ‬للحكم‭ ‬مطالبا‭ ‬بتغييره‭ ‬مقدّما‭ ‬التضحيات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬لها‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تفكير‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التغيير‭ ‬والتضحية‭ ‬والانتصار‭ ‬الآني‭ ‬الذي‭ ‬تسهل‭ ‬سرقته‭ ‬والركوب‭ ‬عليه‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬ملاحم‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭. ‬

هي‭ ‬اكراهات‭ ‬الواقع‭ ‬ربما‭ ‬والانغماس‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الثوري‭ ‬إن‭ ‬جاز‭ ‬القول‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬الظروف‭ ‬وينضجها‭ ‬لمن‭ ‬يقطف‭ ‬ثمارها‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬بكل‭ ‬أطيافه‭ ‬سواء‭ ‬منها‭ ‬المتستّرة‭ ‬بعباءة‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬المتشدّقة‭ ‬بالحداثة،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬الزعامات‭ ‬العبثي‭ ‬وكذلك‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬القوالب‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬الجاهزة،‭ ‬والوقوع‭ ‬فريسة‭ ‬اليمين‭ ‬الحاكم‭ ‬جراء‭ ‬عقد‭ ‬وأطماع‭ ‬شخصية،‭ ‬والخلط‭ ‬بين‭ ‬التكتيك‭ ‬والاستراتيجيا‭ ‬وغياب‭ ‬أهم‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬وهو‭ ‬تحديد‭ ‬الهدف،‭ ‬ماذا‭ ‬يريد‭ ‬اليسار‭ ‬؟‭ ‬هل‭ ‬يريد‭ ‬الحكم‭ ‬أم‭ ‬يريد‭ ‬البقاء‭ ‬وقودا‭ ‬للاحتجاجات‭ ‬والثورات‭ ‬لتقديم‭ ‬الانتصارات‭ ‬لـاأعداءب‭ ‬الشعب‭ ‬والوطن‭ ‬والدولة؟‭. ‬

إن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المفارقات‭ ‬غياب‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬لدى‭ ‬اليسار‭ ‬ومعه‭ ‬غياب‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬استخلاص‭ ‬الدروس‭ ‬وتجاوز‭ ‬الهنات‭ ‬والسلبيات‭ ‬وااللطخاتب‭. ‬

لقد‭ ‬بذل‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬صراحة‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بتقييم‭ ‬تجربة‭ ‬الجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بدورها‭ ‬أهم‭ ‬تجربة‭ ‬وحدوية‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬اليسار‭ ‬بمختلف‭ ‬مشاربه‭ ‬الماركسية‭ ‬والقومية‭ ‬وحققت‭ ‬الكثير‭ ‬لليسار‭ ‬ولتونس‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعمّر‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬بعضها‭.‬

لقد‭ ‬بقي‭ ‬الجرح‭ ‬عميقا‭ ‬نازفا‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬2019‭ ‬والنتائج‭ ‬الكارثية‭ ‬لليسار‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬والرئاسية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬آنذاك،‭ ‬وبانفراط‭ ‬العقد‭ ‬حاول‭ ‬البعض‭ ‬تدارك‭ ‬أمره‭ ‬والقيام‭ ‬بالمراجعات‭ ‬الضرورية‭ ‬وإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الذاتي‭ ‬فيما‭ ‬انقض‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬مكونات‭ ‬الجبهة‭ ‬واستقطب‭ ‬واستوعب‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬وجوهها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لنفسها‭ ‬أو‭ ‬لكيانها‭ ‬أو‭ ‬لشعبها‭ ‬وحتى‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬البناء‭ ‬القاعدي‭ ‬لرئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬لم‭ ‬نقف‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬أو‭ ‬اغنيمةب‭ ‬فيها‭.. ‬

لقد‭ ‬حرص‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مكونات‭ ‬أخرى‭ ‬يسارية‭ ‬مثل‭ ‬حزب‭ ‬الوطنيين‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬الموحد‭ ‬على‭ ‬ترتيب‭ ‬بيوتها‭ ‬الداخلية‭ ‬فأنجزت‭ ‬مؤتمراتها‭ ‬وواصلت‭ ‬النضال‭ ‬والمراهنة‭ ‬على‭ ‬الحضور‭ ‬الميداني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المحطات‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬الشعب‭ ‬التونسي‭ ‬ولم‭ ‬تفرّق‭ ‬بين‭ ‬المعارك‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والمعارك‭ ‬السياسية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬معركة‭ ‬الحريات‭ ‬وقد‭ ‬التقت‭ ‬مكونات‭ ‬اليسار‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬للاحتجاج‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬وعلى‭ ‬استهداف‭ ‬الحريات‭ ‬العامة‭ ‬وإيقاف‭ ‬السياسيين‭ ‬والحقوقيين‭ ‬والصحافيين‭ ‬وكذلك‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وإدانة‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬العدوان‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬أمريكا‭ ‬وفرنسا‭ ‬والتظاهر‭ ‬أمام‭ ‬سفاراتها‭ ‬وكأنّ‭ ‬قدر‭ ‬اليسار‭ ‬ان‭ ‬يظل‭ ‬منقسما‭ ‬وحاضرا‭ ‬بقوّة‭ ‬ومبدئية‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬مباني‭ ‬الحكم‭..!‬

ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فحسب،‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬ذ‭ ‬نظريا‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الأوضاع‭ ‬الراهنة‭ ‬الصعبة‭ ‬والتحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬وطنيا‭ ‬وكذلك‭ ‬القضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬تجد‭ ‬إجاباتها‭ ‬في‭ ‬أطروحات‭ ‬اليسار،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬فحسب‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المعمورة‭ ‬وقد‭ ‬برهن‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬جاهزيته‭ ‬وقدرته‭ ‬بل‭ ‬ومباشرته‭ ‬للحكم‭ ‬رغم‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تقليدية‭ ‬يمينية‭ ‬محافظة‭ ‬ورأسمالية‭ ‬ليبيرالية‭ ‬مناوئة‭ ‬ومناهضة‭.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بين تونس وليبيا : أربعة تحدّيات أمام ديمومة فتح معبر رأس جدير

دخل محضر الاتفاق الأمني الخاص بإعادة فتح معبر رأس الجدير الحدودي الذي وقّعه وزيرا الداخلية…