2024-01-04

بعضها به شغور وأخرى لا تشتغل بنفس الوتيرة : في نجاعة العمل الحكومي

كل المؤشّرات تقريبا تذهب في اتجاه أن السنة الحالية، التي دخلناها منذ أيام، لا تسير في الاتجاه الايجابي، ولا تعتبر من السنوات «المريحة» ان صحّ التعبير، بل تذهب جُلّ التوقعات أنها ستكون سنة صعبة، خاصة في مجالات الفلاحة والتعليم والتجهيز والنقل والتجارة.

فالنسق العام الذي يبدو أن العام الجديد ماض إليه هو نسق يتطلّب عملا على درجة عالية من الدقة  والتفاني، من جميع مكونات الحكم، ومن جميع أجهزة الدولة، من أجل تفادي أكبر قدر ممكن من انعكاسات الأزمة الاقتصادية المتواصلة، وانعكاسات الجفاف، والمتطلبات الاجتماعية، والاستحقاقات المالية، وكذلك الوضع العالمي والاضطرابات الاقليمية.

وهو نسق يتطلب بالتالي حكومة تشتغل وزاراتها على نفس السياقات وبنفس السرعة والنجاعة، وهو ما لم يتوفر الى حد الآن على الأقل، أو حسب الظاهر في وسائل الإعلام ومن خلال المتابعة اليومية، حيث تبرز فروقات أحيانا كبيرة بين بعض الوزارات التي تشتغل بشكل متواصل ودون انقطاع، كوزارتي المالية والعدل، ووزارات تتحمل العبء الكبير لكن دون انجازات تُذكر، كوزارتي التجارة والفلاحة، ووزارات أخرى ما تزال شاغرة في أعلى هرمها، كوزارة الاقتصاد، وبعض الوزارات لا ندري ان كان مردودها يفي بالحاجة وقادر على مجابهة متطلبات السنة الجديدة أم لا، على غرار الوزارة الاولى نفسها او رئاسة الحكومة حسب النظام السياسي الجديد، وكذلك وزارات التعليم العالي والتربية والثقافة وشؤون المرأة والشؤون الاجتماعية والاتصالات.

بعض الوزارات تبدو في حالة استمرارية وتشتغل أكثر الأوقات بصمت، وإن كانت نتائج عملها عادة لا تظهر للعيان، لكن على الأقل لا توجد تشكيات من ملفاتها أو اعتراضات على سير عملها الدؤوب والمتواصل، كوزارة الصحة والدفاع والخارجية. في حين ان بعض الوزارات الاخرى يلفت حضورها الاعلامي الدائم الأنظار، خاصة اذا كان بشكل يومي ومتكرر تقريبا في نفس السياق العالي للحضور، او للتعاطي مع رئيس الجمهورية، الذي يعتبر المحدد او المرجع الأعلى للسياسات الحكومية، كوزارتي المالية والعدل، وبدرجة أقل وزارة الداخلية وان كانت تحظى بنفس الحضور تقريبا، نظرا لمهامها الحساسة في حفظ الأمن، في الوقت الذي تُعتبر فيه وزيرة المالية الوزيرة الاهم في الحكومة الحالية والتي سبقتها، نظرا لاهمية المنصب الذي تتقلده، والذي يجعل منها المسؤولة الاولى عن خزينة شبه فارغة تحاول كل يوم ان تعبّئها بالموارد اللازمة لجعلها تستمر. في حين تستمد وزارة العدل  أهمية وحضورا اعلاميا هاما من خلال انخراطها المباشر في قضيتين رئيسيتين بالنسبة لرئيس الدولة في الوقت الحالي وهما مكافحة الفساد الذي يتطلب عملا قضائيا لا ينقطع، ومسألة اصلاح القضاء والتجاذبات المتواصلة في الساحة القضائية، بما يجعل دورها هاما وهاما جدا، خاصة وانها معارك من الدرجة الاولى وتراهن رئاسة الجمهورية وكل أجهزة الدولة على كسبها وتحقيق نتائج باهرة فيها.

في الوقت نفسه تبدو بعض الوزارات وكأنها مغيّبة عن المشهد الاعلامي والحضور اليومي، كوزارتي الفلاحة والتجهيز، مضافا اليهما وزارة الشباب والرياضة التي تخلّلتها كثير من السجالات وأثرت في مردوديتها بعض العراقيل كالخلاف الكبير بينها وبين رئيس جامعة كرة القدم السابق وديع الجريء، وايضا المردود المنخفض لمنتخباتنا الوطنية وانحدار مستوى البطولة الوطنية وغيرها من الصعوبات التي لا يبدو ان حلها سيكون قريبا، والتي تتطلب مزيدا من العمل ومزيدا من الحرص على مسايرة النسق السريع للفعاليات القادمة وما تفرضه تطورات الساحة من تدخلات يجب ان تكون ناجعة وفعّالة.

بعض الوزارات عُرفت تقليديا بالحضور المناسباتي، اي في عدة مواسم في السنة ثم تستكين الى شبه راحة كوزارة الثقافة، ذات التركيز الدائم على المهرجانات والمعارض والمواسم، أو وزارة شؤون المرأة والاسرة التي يبدو عملها شبه موسمي في نطاق حملات وطنية او جهوية لإنجاز برنامج معيّن ومحدّد.

ولا شك ان اللافت في كل هذا الاستعراض هو بقاء وزارة هامة كالاقتصاد بدون وزير منذ فترة، وكذلك اقتصار حضور وزارة التجارة على تصريحات بعض مسؤوليها المتضاربة حول حضور او غياب بعض المواد الغذائية، في حين أن دورها أهم بكثير في الظرف الحالي والسنة الجديدة.

أخيرا، ربما تكون احوال المناخ وانحباس الأمطار سببا في ركون وزارة الفلاحة الى شبه راحة طويلة لكن ذلك لا ينطبق على وزارة التجهيز التي خفت حضورها هي الاخرى رغم ما تعانيه البنية التحتية من اهتراء في جميع القطاعات ورغم ما ينتظر ملاكات هذه الوزارة من أعمال كبيرة ومشاريع ضخمة.

ليس هذا بتقييم لعمل الوزارات ولا استعراض لأنشطة الحكومة، بقدر ما هو محاولة لفهم اختلاف النجاعة  والمردودية بين وزارة واخرى، وخصوصا لاختلاف كبير في الحضور الاعلامي والتواجد على الساحة، فهل تقدر هذه الوزارات على مسايرة نسق سريع للسنة الادارية الجديدة، خاصة مع الرهانات الكبرى المطروحة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي في سنة تبدو ملامحها الأولى أنها «صعبة» وهو ما يتطلب نجاعة أكبر لكامل الفريق الحكومي وسدّ الشغورات على رأس الوزارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

تظاهرات تحسيسية وتوعية بأهمية المحافظة على المحيط في عدة جهات : الوعي البيئي معضلة تونس القادمة

صحيح ان عديد الاطراف في تونس، وخاصة منها الجمعياتية والرسمية، تحاول قدر الامكان ان ترسّخ ث…