هل تكفي النوايا الطيبة الحالمة بتحقيق العدالة والرفاه للجميع ،  لإرساء دعائم دولة راعية ؟ وفي ظل عصر المنافسة الشرسة والاقتصاد الليبرالي المنفتح  هل يمكن الحديث عن الدولة الاجتماعية كما عرفناها في مرحلة الخمسينات والستينات والسبعينات؟ وكيف يمكن تقييم المسارات التي اعتمدتها الدولة التونسية تنمويا واقتصاديا على امتداد تاريخها؟

وهل  يمكن الجمع بين التقشف الاضطراري وتأمين مرفق عمومي ناجع وناجز كأحد روافد الدولة الاجتماعية؟

وهل الإرادة والسيادة وحدها كفيلة بتحقيق مقومات الدولة العادلة خاصة في ظل أزمة اقتصادية خانقة؟

هي أسئلة  متعددة تحوم حول محور الدولة الاجتماعية الذي هو حديث الساعة اليوم في تونس وهو الذي يتكرر بشكل متواتر في  الخطاب الرسمي. 

إذن و نحن نلج عاما جديدا نعلّق عليه انتظاراتنا الشاهقة كما يعلّق الأطفال أمنياتهم على شجرة الميلاد ونأمل في أن الآتي أفضل كما يحدث في كل بقاع الدنيا.

ورغم أن هناك خطا وهميا بين السنوات التي تركض إلا  أننا دأبنا على اخذ الأنفاس مع كل سنة جديدة وإطلاق العنان للأحلام.ولا ضير في هذا قطعا على أن لا يجعلنا ننسى ملابسات واقعنا وإمكانات الإنجاز فيه.

ولعل أكبر الأحلام المشروعة التي تراودنا جميعا هي تلك المتصلة بقيم العدالة والحرية والكرامة وهي التي قامت من اجلها حروب وثورات وتغير وجه العالم بسببها والتي تعود دائما مع مطلع كل سنة جديدة يعبر عنها كل منا بطريقته وهو يصوغ أحلامه الفردية أو يختزلها في الأمنيات الجماعية. 

ولعل أكثر أحلام التونسيين التي تابعناها هذه السنة بالتحديد وربما في السنوات الأخيرة عموما    متصلة في مجملها بالمعيش  اليومي وهذا مثار اهتمام فعلا ويستوقف كل من يتابع الشأن العام في تونس أو يقوم بدراسات اجتماعية أو نفسية أو حتى اقتصادية. فقد انحسرت الأحلام وضاقت حتى اقتصرت على عيش الكفاف الكريم وكأننا بالفعل في بلاد الحد الأدنى .

وإذا فككنا قليلا هذه المعطيات ندرك أنها تحوم حول الدولة الراعية أو الدولة الاجتماعية تلك التي بشّر بها الآباء المؤسسون في تونس والتي استفدنا جميعا على امتداد أجيال من منجزها رغم كل النقائص التي يمكن رصدها في هذا الصدد.

وكانت رهانات الدولة الاجتماعية في أواخر الخمسينات ومرحلة الستينات كبيرة جدا وهي تأمين الحاجيات الأساسية للجميع بشكل مجاني وتحديدا الصحة والتعليم التي اختار الفاعلون السياسيون أن تكون  الأسس التي انبنت عليها دولة الاستقلال. وهو الخيار الذي تميزت به تونس عن الكثير من البلدان الشقيقة في محيطنا الإقليمي التي اختارت المراهنة على التسليح  مثلا.

ومضت بلادنا بعيدا في فكرة الدولة الراعية حتى أنها أسست تجربة  اشتراكية تكاد تكون فريدة من نوعها كان مهندسها الوزير الراحل أحمد بن صالح ونعني « التعاضد». لكن فشل التجربة لأسباب شائكة ومتعددة جعل الدولة التونسية تختار نهج الليبرالية لكنها لم تنس وهي تضع الخطوط العريضة لهذا المنوال التنموي الكبير أن تفكر في الطبقة المتوسطة والطبقات الأقل حظا فكان قرار دعم المواد الأساسية من الدولة حتى يتحصل عليها الجميع بأسعار في المتناول فكان دعم الخبز والسكر والحليب على سبيل المثال والمحروقات وذلك لتأمين عيش كريم للمواطنين.

لكن علينا الإقرار بأن المنوال التنموي الذي أرسته الدولة  لم يكن عادلا بل قد كرّس الحيف بين الجهات و الطبقات والفئات وخلق حالة من التهميش للمناطق الداخلية  وكان ذلك إيذانا بانفجارات اجتماعية متتالية  عرفتها بلادنا أواخر السبعينات وفي مرحلة الثمانينات.

ورغم كل ذلك مضت الدولة في الخيار الليبرالي وتعمقت الفوارق كثيرا وانتهج الفاعلون السياسيون خيار الخوصصة ليتم التفريط في المؤسسات العمومية في ظروف شابتها الكثير من الشبهات. وطغت عليها المحاباة والمحسوبية. ورغم الإجراءات الكثيرة التي اتخذت لفائدة الطبقة المتوسطة  التي اتسعت دائرتها مع  أواخر التسعينات و بداية الألفية الجديدة تكريسا لمنطق الدولة الاجتماعية إلا أن هذا لم يكن كافيا لإرساء التنمية العادلة وتحقيق السلم الأهلية فكانت انتفاضة لا تبقي ولا تذر انطلقت شرارتها من المناطق المحرومة في سيدي بوزيد والقصرين وامتدت لتشمل كامل مناطق الجمهورية وكانت الشعارات واضحة لا لبس فيها مدارها الكرامة والعدالة والحرية.  وقاد ذلك الحراك الشعبي  إلى كنس رأس  النظام يوم14 جانفي 2011.

وكان ذلك بداية لمخاض عسير تلته  ولادة لديمقراطية مشوهة لم تحقق الشعارات الكبرى التي رفعها التونسيون ذات شتاء وهم يتوقون إلى إرساء دعائم دولة اجتماعية تضمن لهم مقومات الحياة الكريمة. ولسنا في حاجة إلى أن نذكّر بالمآلات  فقد تكالب كل الانتهازيين على الغنائم وتركوا عموم التونسيين يواجهون مصيرا قاتما تآكلت فيه المكاسب الضئيلة التي كانت بين أيديهم ولم تتحقق لهم العدالة والتنمية المنشودتين.

وكانت الإجراءات الاستثنائية التي أقرّها رئيس الجمهورية قيس سعيد والتي استبشر بها الكثير من التونسيين مؤشرا ايجابيا لبدايات مختلفة. ومنذ ليلة 25 جويلية 2021 دأب رئيس الجمهورية قيس سعيد على اعتماد خطاب ينحاز للدولة الراعية أو الدولة الاجتماعية القوية التي تعدل بين جميع مواطنيها.وكثّف الرئيس من زياراته إلى المؤسسات العمومية مذكّرا بمجدها وعصرها الذهبي ومعلنا إعادة البريق إليها ذاك الذي  فقدته جراء سوء الحوكمة.

ولكن مع كل هذا الجهد يبدو أن الطريق مازالت طويلة أمامنا وان العوائق أعتى بكثير من النوايا الطيبة. فالسياق العام اليوم لا يتيح بأي حال من الأحوال   إعادة تجربة الدولة الراعية كما كانت في بلادنا في مرحلة البناء في بعض التجارب المقارنة.

والحصيلة التراجيدية اليوم أن التونسي يكابد من أجل تأمين المواد الأساسية والتي بات يحصل عليها تقريبا بأسعارها الحقيقية بعد أن بدأ الدعم ينحسر بشكل آلي مع حالة الندرة.

كما أن التقشف الذي تسير فيه بلادنا بشكل موارب ودون إعلان صريح قد أضرّ كثيرا بالمقدرة الشرائية للمواطن التونسي وأثّر سلبا على المرفق العمومي من تعليم وصحة ونقل وخدمات وغيرها.وهو ما جعل الدولة تتخلى بديهيا عن دور الرعاية أو عن مهامها الاجتماعية،وهذه باتت اليوم حقيقة معلومة.

ولا يمكن إعادة الدور الراعي لها إلا بتحفيز محرّكات الاقتصاد وعودة عجلة الإنتاج ثم التفكير بجدية في تغيير منوال التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مؤشرات اقتصادية  واعدة: في انتظار تأثير مباشر على معيشة  المواطنين

يبدو ان حراكا ما بدأ يدبّ في شرايين الاقتصاد الوطني وان هناك مؤشرات واعدة ما فتئت ملامحها …