في خطاب التهنئة بالعام الجديد الذي توجه به رئيس الجمهورية قيس سعيد الى الشعب التونسي، سيطر الراهن الفلسطيني على كل مراحله، واحتل المساحة كلها من الخطاب، خاصة وهو الحدث الجلل الذي يعيش على وقعه العرب والعالم منذ ثلاثة أشهر تقريبا، لم تخل فيها ساعة واحدة من جريمة أو مجزرة او قتل ودماء.
خطاب الرئيس كان تذكيرا بمأساة متجددة ومتواصلة وليس تهنئة بعام جديد قادم، وضع فيه الاصبع على موطن الخلل في العلاقات الدولية القائمة على تجاهل ولامبالاة تجاه شعب تقع ابادته أمام أعين الجميع، وبدم بارد، وبعقلية اجتثاث لا مثيل لها في التاريخ البشري.

وهذه المأساة لم تكن يوما لتغيب على الشأن التونسي، وهي قضية تونس الاولى منذ نكبة 1948 حين هبّ التونسيون على أقدامهم باتجاه غزّة، ودافعوا بما استطاعوا حمله من سلاح وحتى من عصيّ وحجارة، مرورا بنكسة سبعة وستين، ومشاركة فيلق تونسي كامل في حرب أكتوبر ثلاثة وسبعين، وصولا الى آلاف التونسيين الذين قاتلوا مع الفصائل الفلسطينية كلها بدون استثناء ودفعوا أرواحهم فداء لهذه الارض التي يعتبرونها أرضهم المقدسة وقضيتهم المركزية ومازالوا الى اليوم يرون في كل جور يمسّها، هو ظلم يقع عليهم بنفس الوقت والوقع.

رئيس الجمهورية أشار في كلمته الى معضلة هذا العالم، المتمثلة في غضّ البصر عما ترتكبه سلطات الاحتلال الصهيوني من مجازر، بل وتجند الكثير من سياسييه وأبواق دعايته وأحزاب ودول وحكومات ومنظمات للدفاع عن هذه الجرائم والباسها لبوس الحق وتسويقها على انها دفاع عن النفس مشروع، وهي في حقيقة الامر لا تعدو ان تكون قمة في الجريمة والوحشية والقتل الهمجي.
هذه العلاقات الدولية المختلة هي التي منحت العدوّ الصهيوني بطاقة عبور كي يواصل في ارتكاب مجازره دون خشية من هذا العالم، الذي يمتلك مفاتيح ارادته، ويعرف كيف يوجهه، بل ويتحكم في مفاصل قراره، سواء في أمريكا أو أوروبا، وفي كل الدول التي تتشدق ليلا نهارا بكونية القيم الانسانية وبالحقوق والحريات، وبالدفاع عن الحق في الحياة، لكنها تتغاضى عن جرائم الاحتلال تجاه الانسان الفلسطيني، وتبررها وتدافع عنها، تزيد في دعمه بالمال والسلاح والمواقف.

هذا الاختلال بين القيم الانسانية الكونية وبين واقع الجرائم الانسانية التي يباركها هذا العالم «المتحضّر الديمقراطي الحقوقي المتقدم»، هو ما دعا رئيس الدولة الى تعديله وتغييره، ودعا بالخصوص الى انتصار الانسانية على حماقات السياسة، والى تغليب القيم على المصالح، وانتصار الحق على التحالفات والالتزامات، واعلاء المبدإ على الحسابات.
وهو حين يشير الى صمت هذا العالم، فهو يريد ان يذكّره ويذكّر التونسيين بأن الحق قيمة كونية، تاريخية، جاءت بها كل الديانات ودافعت عنها جميع الحضارات، وتجمعت حولها كل النظريات والافكار، وهي اليوم تُداس تحت نعال جيش المحتل الغاصب دون ان تتحرك للانسانية شعرة، ودون ان يهبّ العالم كما هبّ للدفاع عن اوكرانيا او قاتل ضد النازية في منتصف القرن الفارط، او حتى كما وقف في وجه التوسع والسيطرة والاحتلال ومسح عار الميز العنصري في جنوب افريقيا، في الوقت الذي يقف عاجزا، بل ومتواطئا ومتآمرا في أغلبه اليوم مع الفظاعات التي يرتكبها الصهاينة كل يوم وكل ساعة ضد أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل.

فهي دعوة لتغليب الحق على الحسابات السياسية، وهي أيضا توضيح لموقف تونس والتونسيين من هذه الجرائم، وادانتها الشديدة، والوقوف بكل ما أوتيت من قوة وجهد الى جانب أشقائها في فلسطين، بعيدا عن كل حسابات السياسة وتحالفات العالم وتحولات المنطقة، وبعيدا ايضا عن لغة الاستسلام للأمر الواقع، والخذلان والتخلي التي تمارسها الانظمة العربية جهرا وسرّا.
فموقف تونس ثابت من هذه الجريمة الانسانية المتواصلة منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن، ولن تتراجع عنه ولن تتخلى عن دعم الشعب الفلسطيني في نضاله المتواصل وكفاحه الدؤوب من أجل استرجاع حقه واقتلاع حريته وتأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهو موقف أكدت عليه تونس علنا وعلى الملإ وأمام الجميع، وأكده رئيس الجمهورية أكثر من مرة وآخرها في الكلمة التي توجه بها الى التونسيين بمناسبة حلول العام الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

رهان قد يصعب الايفاء به: استعادة صناعة الورق المدرسي من حلفاء القصرين

عوامل عديدة وتراكمات جمّة حكمت على شركة عجين الحلفاء بالقصرين بالخروج مبكرا من السباق الاق…