2023-12-29

هل تكون سنة 24 سنة المراجعات وعودة الحوار: ثلاث مبادرات يمكن قراءتها ايجابيا في موفّى السنة الجارية

-خلال أيام فقط، وبتواتر يبدو مدروسا أو شبه متفق عليه، جاءت بشائر من ثلاث جهات مختلفة، وحملت تقريبا نفس التعبيرات ولمّحت لنفس الرغبة في ان تكون السنة القادمة سنة مراجعات حقيقية، وسنة عودة الحياة السياسية على الاقل الى الحدّ الادنى المطلوب، وعودة خاصة الثقة بين الأطراف الاجتماعية والسياسية، وعودة سنّة الحوار والجلوس الى طاولة العمل والتفكير المشترك.
البادرة الاولى جاءت من الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الذي صرّح يوم الاثنين الفارط ان الاتحاد يأمل في ان تكون السنة القادمة سنة استئناف الحوار، وسنة فتح الملفات المتراكمة في مقارّ الحوار الاجتماعي وسنة المصالحة الاجتماعية والسياسية الشاملة.
ـ الثانية جاءت من القصبة حيث أصدرت رئاسة الحكومة بلاغا للإدارات والمؤسسات والمنشآت العمومية تبيّن فيه كيفية اقتطاع معلوم الانخراطات لفائدة الاتحاد العام التونسي للشغل مباشرة من أجور الموظفين والعملة، واضعة بذلك حدا نهائيا لكل ما راج مؤخرا من نية الحكومة في مراجعة علاقتها بالاتحاد في هذا المجال.
ـ الثالثة جاءت من رئيس الجمهورية خلال زيارته لمصنع الفولاذ ببنزرت، حين تحدث أمام الحاضرين ووسائل الإعلام على عزوف التونسيين عن الانتخاب، مُرجعا إياه إلى نوع من النفور الشعبي من العمل البرلماني ورغبة التونسيين في عملية سياسية قوية وشاملة وناجحة وتضم الجميع كل من موقعه.
هذه الاشارات الثلاث تبرز مرة أخرى ان هناك رغبة حقيقية من جميع الأطراف في الخروج من الوضع السياسي، وقبل ذلك هناك وعي بدأ يتجذّر لدى هذه الاطراف بأن المشهد السياسي والاجتماعي الحالي، سقيم ولا بد من معالجته وتغييره، وهو وعي لم يكن متوفرا الى حدود أسابيع خلت، بل كان كل طرف يعتقد نفسه على حقّ والبقية مخطئون.
هذه الأطراف الثلاثة تتفق في أن هناك انسدادا سياسيا وتوترا اجتماعيا، وأن ذلك يتطلب الجلوس للحوار، حتى وان كان غير مرغوب، وأن هذا الحوار يجب ان يكون على شكل مصارحة ومراجعات شاملة لعديد المواقف السابقة، وان فيه تنازلات ستُقدّم وفيه قناعات يجب ان تتغير ومواقف سابقة يجب ان تتزحزح عن مكانها وتفسح المجال لتفكير جماعي لا يستثني الا من استثنى نفسه.
ومن هذا الاتفاق تبدو الأرضية جاهزة للمراجعات والحوارات والمبادرات، وتنتظر فقط اشارة الانطلاق، وهنا يأتي دور السلطة التنفيذية، وخاصة رئيس الحكومة والسيدة وزيرة المالية والسيد وزير الشؤون الاجتماعية، الذين من المفترض ان يكونوا قد التقطوا الاشارة من رسائل الرئيس ومن تصريحات الامين العام ومن بلاغ الحكومة، والمبادرة تقع اليوم على عاتقهم، والكرة في ملعبهم، وما عليهم سوى ان يجسّموا هذه الاشارات في شكل مبادرات حقيقية قادرة على أن تكون أساسات يُبنى عليها اللاحق من الحوار والقادم من توافقات.
فالجميع قد اقتنع على ما يبدو ان مواصلة التشبث كل بموقفه ورأيه، لا يمكن الا ان توصل الى طريق مسدودة، وان في العمل السياسي لا وجود لموقف دائم ولا لقناعة تامة، بل هناك دائما خطوط متعرّجة قابلة للتصريف بشتى الطرق، المهم في المحصّلة ان تؤدي دورها وتأتي بفائدة للبلاد.
والخطوة الاولى قد انطلقت، ومنها بالخصوص مسألة اعادة تجسير الثقة بين مختلف الاطراف، وإبداء الاستعداد ولو بالتلميح للمراجعة والمصارحة والمصالحة والحوار، وهذه الاشارات وحدها يمكن البناء عليها لانطلاق سنة سياسية واجتماعية تكون مختلفة عن سابقاتها، وتكون بالخصوص حافلة بحراك سياسي وحوار اجتماعي، وفيها ما يكفي لخلق مناخات تشاركية تقطع مع ماضي القطيع والخصام.
ولا شك ان اشارات الرغبة في المراجعة والحوار لم تأت من مجرد البحث عن المختلف، بل هي نتاج وعي بضرورة ذلك لانجاز تقدم في العملية السياسية، التي استوفت مراحل تأسيسها الدستورية والتشريعية، وتنتظر الان انفتاحا حقيقيا على الآخر، من أجل ان يكتمل بناؤها من حيث المشروعية ومن حيث تمثيلية الجميع دون اقصاء ولا تهميش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بداية تشكّل قطب سياحي في الشمال

تتوافد‭ ‬منذ‭ ‬ايام‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬طبرقة‭ ‬وفود‭ ‬هامة‭ ‬وصل‭ ‬تعداد‭ ‬أفرادها‭ ‬الى‭ ‬قراب…