2023-12-28

على هامش أشغال اللجنة المشتركة التونسية السعودية : حتى لاتبقى نوايا الاستثمار مجرد أرقام بلا محتوى..!

منذ بداية الثمانينات بادرت تونس بالتوجه نحو الأشقاء في الخليج العربي، وكانت حكومتها التي يقودها السيد محمد مزالي ساعتها، عازمة حقا على بناء شراكة استراتيجية مع الخليجيين، وخصوصا السعودية، وكانت تحمل رؤية مستقبلية لمشاريع تعود بالفائدة على الطرفين، وتبني مستقبلا واعدا للاستثمار والنجاح، وتؤسس لمشاريع كانت أحلاما ساعتها، كالسوق العربية المشتركة ومجلس التعاون العربي والوحدة الاقتصادية العربية وغيرها من الشعارات التي تناساها التونسيون والأشقاء مع مرور الزمن، ولم ينضج منها شيء.

ربما يكون التقصير في الجانب التونسي، الذي للأسف الشديد لا يتوجّه شرقا الا متى اكفهرّت علاقاته مع الغرب، او ساعة المحنة الاقتصادية حين تفرغ الخزائن وتكثر المطالب، وربما أيضا يكون في العقلية الخليجية التي جعلتها قوة المال والثروة الهائلة المتأتية من النفط تتوق دوما لشراكات مع «الكبار» وتركت تونس وبعض البلدان العربية والاسلامية الاخرى، فقط للتعاون الفني، اي بلغة الأرقام نحن بالنسبة للخليجيين مجرد سوق عمالة وافدة، لا نختلف في شيء عن سائر البلدان التي يهاجر أبناؤها بحثا عن لقمة العيش لا أكثر ولا أقل، بعيدا عن الشراكات والاندماج والتعاون والاستثمار وصنع الثروة والتكامل الاقتصادي.

ذلك ان الخليجيين، اضافة الى نزوعهم نحو شراكة الكبار في العالم، فانهم يتصرفون مع تونس ومع بعض البلدان العربية، بعقلية موسمية، أي أحيانا عندما تكون هناك علاقات سياسية وتطابق في وجهات النظر تجاه قضايا اقليمية ودولية معينة، فإن سيل الوعود يبدأ في الجريان، وتنهال العروض التي لا يتجاوز مداها بعض فُتات في أغلبه لا يصلح للبناء ولا للشراكة ولا حتى يغني ويسمن من جوع، بل هو نوع من الترضيات تعوّد الخليجيون اغداقها للمجاملة في موقف أو لتقوية حليف على آخر او حتى لرفع عتب وإبعاد لوم.

وهي عقلية لا بد من تجاوزها، وتجاوزها يقع على عاتق تونس، التي يجب عليها ان تقدم مشاريع جديّة، منتجة، دائمة، وتخلق الشراكات الحقيقية، وعلى الاخرين قبولها والتفاعل معها، عبر اقناعهم بالوسائط السياسية والدبلوماسية، لان التعاون الاقتصادي في المحصّلة هو نتاج لتوافق سياسي حول مواضع معينة او حول استراتيجيات وقضايا مصيرية.

البعض يرى ان تونس يمكنها الان ان تتقدم خطوات في هذا المجال، خاصة وان العدوان على غزة، وحالة الارباك التجاري في البحر الاحمر والخليج العربي، قد ضيّقت على الأشقاء الخليجيين مجالات عدة كانت تدفعهم بعيدا وراء أعالي البحار، وهم يبحثون الان عن مخارج لتصريف فائض التجارة ولفتح أسواق جديدة وزرع استثمارات في مناطق بعيدة عن مركز الصراع.

ولا شك ان ذلك يستوجب مواقف سياسية قبل كل شيء، باعتبار العرب لا يتعاطون مع التجارة والمال والاستثمار بعيدا عن السياسة، هذه الاشتراطات قد تفرض على تونس مواقف ربما لا تتماشى مع توجهها العام، خصوصا تجاه القضية الفلسطينية، وخاصة تجاه مسار التطبيع الذي بدأته دول الخليج، وكان يمكن ان يكتمل مساره لولا الحرب العدوانية على غزة، وهذا المسار لا تريد دول الخليج ان تكون منفردة فيه، بل تريد جرّ أكبر قدر ممكن من الاصوات العربية الرافضة الى صفّها، وإبعادها عما يمكن ان يعكّر صفو المسار العربي العام نحو التطبيع مع العدو.

واذا كان رئيس الجمهورية قد ركّز خلال لقائه مع الوزير السعودي والوفد المرافق له، على «حرص تونس على توفير مناخ سليم وملائم لتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين على الاستثمار في بلادنا وإرساء علاقات شراكة وتبادل مع نظرائهم التونسيين في عدة قطاعات واعدة على غرار الطاقات المتجددة وتحلية المياه والصحة والصناعات الدوائية، وتوفير كل أسباب النجاح لهذا التعاون في كل المجالات». فذلك لأنه يعلم جيدا ان كثيرا من المشاريع هي في الواقع أقرب الى الدعاية الاعلامية والتسويق السياسي منها الى الواقعية العملية التي تحفّز الاستثمار وتخلق الثروة، ولانه يعرف ايضا ان البلدين في حاجة الى التعاون والتكامل والبناء المشترك، وان لا أحد عنده منّة على الاخر، بل هناك خيارات اقتصادية ومصالح عليا يجب ان تسير وفق استراتيجيات تنموية واستثمارية ومالية بعيدا عن كل الحسابات السياسية التي ألحقت الضرر بالتعاون العربي طيلة عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بداية تشكّل قطب سياحي في الشمال

تتوافد‭ ‬منذ‭ ‬ايام‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬طبرقة‭ ‬وفود‭ ‬هامة‭ ‬وصل‭ ‬تعداد‭ ‬أفرادها‭ ‬الى‭ ‬قراب…