2023-12-24

رغم المؤشرات الإيجابية والأرباح : البنوك التونسية ما تزال تواجه مخاطر كبيرة في السيولة

اكد التقرير السنوي للرقابة المصرفية لسنة 2022 الصادر مؤخرا عن البنك المركزي أن القطاع المصرفي التونسي تمكن رغم التحديات التي سجلها الاقتصاد الوطني سنة 2022 من تعزيز مؤشرات الملاءة المالية ليبلغ معدل نسبة كفاية رأس المال القاعدية 8,10 بالمائة ومعدل كفاية رأس المال الإجمالية  بنسبة 14 بالمائة. كما حافظ القطاع على مؤشرات سيولة مرضية وتمكن من الإبقاء على نسبة الديون المصنفة في مستوى يقارب 13 بالمائة ومن تحسين مؤشرات مردوديته. ووفقا للتقرير ذاته، فقد تجاوز عدد الحسابات البنكية في تونس 10 ملايين حساب مع نهاية 2022. وبلغ عدد البطاقات البنكية الموزعة نحو 6,6 مليون بطاقة، وفيما يتعلق بشبكة فروع البنوك، فقد تم تعزيزها لترتفع من 1992 فرعا إلى 2031 فرعا في موفى سنة 2022. وانطلاقا من هذه المؤشرات، تتجلى بوضوح أهمية القطاع المصرفي وخاصة المؤسسات العمومية منه في لعب دورًا استراتيجيً لبناء الاقتصاد عموما ولتمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة بشكل خاص.

وعموما تعتبر البنوك العموميّة الثلاث (بنك الإسكان والبنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية للبنك) من الأسس الرئيسية للقطاع المصرفيّ. وتعود أهميّتها إلى كون هذه المؤسسات تمثل أكثر من 40 بالمائة من حجم تداولات الاقتصاد التونسي وتشارك الأصول البنكية بنسبة 23 بالمائة من قيمة التمويل الإجمالي للاقتصاد، تشغل البنوك الحكومية حاليا ما يقارب 9000 موظفا وتساهم بنسبة 3 بالمائة  من الناتج الداخلي الخام، غير ان الوضع الاقتصادي الذي تعيشه تونس منذ سنوات كبل هذا الدور.

فالمتابع للوضع الاقتصادي، يدرك أن القطاع البنكي – مثل غيره من القطاعات الحساسة – يشهد مصاعب حيث يمر عدد من البنوك (العمومية منها) بظروف مالية صعبة تبعث على القلق. الأمر الذي اجبر الدولة على التدخل واتخاذ قرارات لمنع افلاس اي مؤسسة بنكية.

وفي الوقت التي تشهد البنوك العمومية عديد الصعوبات، تحقق المؤسسات البنكية الخاصة ارباحا طائلة قالت عنها وكالة فيتش للتصنيف الائتماني «إن ارتفاع ربحية البنوك التونسية في النصف الأول من عام 2023 يخفي مخاطر السيولة والملاءة المالية المتزايدة».

وبلغت النتائج الصافية لـ12 بنكاً تونسياً مدرجة بالبورصة إلى نهاية 2022 ما قيمته 5316 مليون دينار مقابل 4701 مليون دينار في عام 2021. وتتأتى هذه الأرباح من الترفيع في نسب الفوائض والعمولات إضافة إلى مساهمتها في القروض الرقاعية الوطنية التي صارت تصدرها تونس سنوياً، كما تتأتى أرباح البنوك من عملية إقراض البنوك للدولة لتمويل الميزانية، وخلاص أجور الموظفين بتوظيف فوائد وفوائض مرتفعة.

وفي ظل كل هذه التغيرات الاقتصادية، اختل دور المؤسسات البنكية: المؤسسات العمومية أصبحت عاجزة عن لعب دورها التنموي والمؤسسات الخاصة بدأت تلعب دور المؤسسات المانحة لخزينة الدولة لخلاص الاجور وسد فجوة الميزانية. ومع تعويل الدولة على موارد البنوك، عجزت هذه الأخيرة على تمويل الاستثمار وتوجيه القروض نحو المشاريع الاستثمارية. الامر الذي اعتبره عدد من اهل الاقتصاد «أمر مضرا للاقتصاد الوطني» بحكم أنّ موارد البنوك لا تستثمر في القطاعات الاقتصادية، بل أصبحت تستغل لتمويل حاجيات الدولة. وهذا ما ألحق أضرارا كبيرة بالوضع الاقتصادي التونسي تمثلت بالأساس في الحد من العمليات الاستثمارية و إنقاذ المؤسسات الوطنية.

وعموما تعتبر الأزمة الذي يعيشها القطاع البنكي جزء من الازمة التي يعرفها الاقتصاد الوطني حيث تعيش أغلب القطاعات على وقع ازمة مالية هيكلية. الأمر الذي اكدته دراسة حديثة أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تناولت موضوع «إشكالية تمويل الاقتصاد التونسي» وخلصت الى ضرورة ان القطاع البنكي يشهد صعوبات ومن الضروري إعادة هيكلته ليضطلع القطاع البنكي بدوره كاملا في تمويل الاستثمار والمشاريع.

وفي هذا الشأن، اوصت ذات الدراسة بضرورة القيام بتحول عميق في النظام المصرفي قصد الرفع من أداء هذا الأخير في مجال تمويل الاقتصاد والافراد والشركات الصغيرة والمتوسطة.وشددت هذه الدراسة على ان تحسين أداء المنظومة البنكية يمر وفق تصوره من حيث الناحية الهيكلية عبر التقليص من عدد البنوك (23 بنكا في تونس) على غرار ما هو معمول به في المغرب الأقصى الذي به اقل بنوك مقارنة بتونس لافتا الى ان القروض البنكية في المغرب تتجاوز 100 بالمائة الناتج المحلي الخام وهي النسبة المعمول بها في بلدان اخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المبادرة الأوروبية «الاستثمارات في تونس» : فرنسا وألمانيا تخصصان 270,9 مليون يورو لدعم المؤسسات التونسية

أكد سفير الاتحاد الأوروبي بتونس، ماركوس كورنارو، على هامش فعاليات الاستثمار، التزام الاتحا…