2023-12-23

ليسوا فقط خزانا انتخابيا : وطنيون ومواطنون .. فهل تنصفهم التشريعات؟

في آخر تصريح له، قال السيد منير الخربي، المدير العام لديوان التونسيين بالخارج، أن تحويلات التونسيين بالخارج «بلغت حوالي سبعة آلاف مليون دينار الى حدود موفى أكتوبر 2023 وهو ما مكن من تغطية خمسة وستين بالمائة من الدين الخارجي لتونس للسنة الجارية»، وهو رقم يغني عن كل تعليق، خاصة بالنسبة للمولعين بالاقتراض والدين الخارجي والذين لا يرون مصدرا للعملة غير الفُتاة الذي تجود به المؤسسات المالية العالمية، التي تقتّر تقتيرا ولا تعطي الا بشروط، ولا تعطي شيئا «لوجه الله» كما يقال.

هذا الرقم هو الى موفى أكتوبر الفارط، وبالتأكيد سيصل أو يتجاوز رقم السنة الفارطة (2022) الذي بلغ تسعة آلاف مليار وغطّى قيمة الدين الخارجي لنفس السنة، اضافة الى موارد أخرى تتأتى بشكل مباشر من الاف التونسيين الذين يفضلون العودة لقضاء رأس السنة الميلادية في تونس أي أن «الكاسة» ستنتعش في الايام القريبة القادمة بمداخيل وفيرة من القطع الاجنبي وهو ما يمثل عامل دفع وطمأنة للخزينة التونسية.

لكن بالمقابل ظلت جاليتنا بالخارج تعيش نوعا من التهميش رغم «العناية الفائقة» التي توليها الحكومات المتعاقبة لاوضاع التونسيين في بلاد المهجر وما تبثه وسائل الاعلام كل سنة عن الاحتفاء بعودتها أو التسهيلات التي منحت لها، أو التشريعات التي تستهدف مساعدتها على العودة الهانئة والاستقرار والاستثمار في بلادها.

وتختلف زوايا النظر للجالية من حكومة الى أخرى، فحكومات العهد الاسبق نظرت باستمرار الى الجالية التونسية بالخارج على أنها مورد عملة صعبة وحنفية تدر الأورو والدولار وتكتفي بذلك، في حين نظرت بعض حكومات ما بعد 14 جانفي الى الجالية على أساس انها خزان انتخابي وعملت كثير من الاحزاب على استقطاب المهاجرين وفرضت نسبة من المقاعد التي تمثلهم في البرلمان التونسي ما بعد 14 جانفي، سواء المنحل او الحالي، ووقف كثير من ابناء الجالية خاصة في أوروبا والخليج مع هذه الاحزاب ودعموها بالاصوات والدعاية والاموال، لكن مع تقدم السنوات وانكشاف الكثير من الاكاذيب تراجعت مشاركتهم السياسية وبقوا تقريبا على خط المراقبة دون ان يتدخلوا في الشأن السياسي.

وهذه النظرة الى جاليتنا بالخارج، القائمة على أساس أنهم خزان عُملة صعبة او خزان انتخابي فقط، هي نظرة قصيرة ومقصّرة في حق هؤلاء التونسيين، الوطنيين والمواطنين أيضا، والذين لا يقلّون وطنية عن غيرهم ممن آثر البقاء في داخل البلاد، وكان الاجدى، بل المطلوب فعلا وبكل إلحاح هو ان تنظر لهم حكومات بلادهم على انهم مواطنون وأنهم في الاغلب أحسن حالا من نظرائهم في الداخل، ولدى الكثير منهم الرغبة في العودة والاستثمار في بلادهم، وتنميتها وتنمية مداخيلهم ايضا.

هذه النظرة تقوم قبل كل شيء على طمأنة هؤلاء على أرزاقهم وأموالهم، لان ممارسات كثيرة من البنوك ومن المؤسسات والادارة التونسية، جعلت كثيرا منهم ينفر من فكرة العودة والاستقرار والاستثمار، وبالتالي لا بد من بثّ نفس ايجابي حقيقي في التعاطي مع هؤلاء بعيدا عن الشعارات الجوفاء وبعيدا ايضا عن الوعود التي لا تتحقق والانجازات التي تذهب هباء منثورا بمجرد سلوك فردي من عون ديوانة او موظف ادارة او مسؤول بنكي.

كما انها يجب ان تقوم أيضا على مبدإ ليونة وانسيابية التشريعات، ووضع القوانين القابلة للتعاطي مع كل الوضعيات، وليس النصوص الجامدة التي تنفّر ولا ترغّب، والتي كثيرا ما كانت السبب في عدم مخاطرة التونسيين بأمانهم الاجتماعي ورفاههم الاقتصادي هناك والعودة الى ارض الوطن.

فالتركيز على تغيير التشريعات ومواءمتها مع متطلبات العصر وسرعة التحولات الاقتصادية خاصة في ميدان العملة والتمويل والاستثمار وتحويل الاموال، هي وحدها الكفيلة بجعل هؤلاء يقبلون على الاستثمار في بلادهم، ويرغبون في الاستقرار واستثمار أموالهم.

والتركيز أيضا على تغيير عقلية الادارة والمؤسسات والاجهزة والبنوك، التي تعتمد على ان هذا العائد هو فقط فرصة «للاستفادة» من ورائه لا أكثر ولا أقل، والشروع في استنزافه بالدفوعات والأتاوات والاوراق الادارية التي لا تنتهي، منذ صعوده على الباخرة قاصدا وطنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

النقل لم يعد مجرد خدمات فقط.. بل رافع أساسي للاقتصاد الوطني : إصلاح الأسطول وشراء العربات .. جهود تبقى غير كافية !

يكاد يجمع التونسيون بمختلف فئاتهم ومشاربهم ان قطاع النقل في تونس تحوّل فعلا الى معضلة، وان…