2023-12-16

المقاومة والقسمة الفلسطينية الغائبة في غزة

تؤكد‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومن‭ ‬يقف‭ ‬وراءها،‭ ‬باستمرار،‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬الوحشية‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬وناسها،‭ ‬انها‭ ‬تواجه‭ ‬المقاومة‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬حماس‭ ‬فقط،‭ ‬وتنتصب‭ ‬حماس‭ ‬ممثلة‭ ‬للمقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إعلاميا‭ ‬وترويجيا‭ ‬واستراتيجيا‭ ‬واحتكارا،‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تقاسم‭ ‬أدوار‭ ‬او‭ ‬خيارات‭ ‬أخرى‭.‬

المخاوف‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬تبددت‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬الفرصة‭ ‬لكي‭ ‬تتوغل‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬سفك‭ ‬الدماء‭. ‬الطمأنينة‭ ‬منحتها‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬الصواريخ‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬الإيواء‭ ‬التابعة‭ ‬للأونروا‭.‬

حبل‭ ‬الانتقام‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يطول،‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬يطول‭ ‬حبل‭ ‬القناعة‭ ‬بأن‭ ‬أحدا‭ ‬لن‭ ‬يهدد‭ ‬إسرائيل‭ ‬بشيء‭ ‬آخر،‭ ‬لكي‭ ‬يفرض‭ ‬وقفا‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬بالقوة‭.‬

خيارات‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬كانت‭ ‬مستبعدة‭ ‬أصلا‭. ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬اختارت‭ ‬طريق‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بوسائل‭ ‬سلمية‭. ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬عملي‭ ‬مفتوح،‭ ‬منذ‭ ‬اتفاقات‭ ‬كام‭ ‬ديفيد‭. ‬ولقد‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬اختبارات،‭ ‬أو‭ ‬امتحانات،‭ ‬كثيرة‭ ‬وعصيبة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬صمد‭ ‬أمام‭ ‬عواصفها‭ ‬مجتمعة‭. ‬لماذا؟‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬لأن‭ ‬القسط‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬اعتبروه‭ ‬خيارا‭ ‬عمليا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬أيضا‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬لأن‭ ‬القناعة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إنك‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تحرر‭ ‬شعبا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أنت‭ ‬نفسك‭ ‬حرا،‭ ‬أثبتت‭ ‬قوّتها‭.‬

الفلسطينيون‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬انقسموا‭ ‬حول‭ ‬خيار‭ ‬السلام،‭ ‬فإن‭ ‬انقسامهم‭ ‬نفسه‭ ‬ظل‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬سؤال‭ ‬البدائل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلقى‭ ‬جوابا‭ ‬موحدا‭. ‬والعرب‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬انقسموا‭ ‬على‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬منهم‭ ‬ظل‭ ‬يواجه‭ ‬تحدياته‭ ‬الخاصة‭.‬

دول‭ ‬الصمود‭ ‬مثل‭ ‬الجزائر‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق،‭ ‬مأزومة‭ ‬بنفسها‭. ‬ودول‭ ‬السلام‭ ‬ترى‭ ‬منعطفا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬عاصفا‭ ‬وتخشى‭ ‬أن‭ ‬تخسر‭ ‬السباق‭ ‬فيه،‭ ‬فيضيع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لمائة‭ ‬عام‭ ‬مقبلة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭. ‬ترى‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الفرص‭ ‬المتاحة‭ ‬اليوم‭ ‬سوف‭ ‬تختفي‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ربع‭ ‬القرن‭ ‬المقبل،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتدارك‭ ‬اليوم،‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تتدارك‭ ‬غدا‭. ‬سيكون‭ ‬القطار‭ ‬قد‭ ‬فات‭.‬وهناك،‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الفريق‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الأردن‭ ‬ومصر،‭ ‬تواجه‭ ‬معضلات‭ ‬اقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بتدبير‭ ‬شؤون‭ ‬الغد،‭ ‬وإنما‭ ‬بشؤون‭ ‬خبز‭ ‬اليوم،‭ ‬حصرا‭.‬

الأردن،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬اكتفى‭ ‬بتحديد‭ ‬خطوطه‭ ‬الحمر،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬تنفيذ‭ ‬سياسة‭ ‬تهجير‭ ‬جماعية‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬سوف‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬تهجير‭ ‬جماعية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬مما‭ ‬يهدد‭ ‬الوجود‭ ‬الكياني‭ ‬للمملكة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬الأردن‭ ‬زإعلان‭ ‬حربس،‭ ‬لأنه‭ ‬سيكون‭ ‬كذلك‭ ‬بالفعل‭.‬

بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬أرجأ‭ ‬الأردن‭ ‬التدخّل‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬حربا‭ ‬فعلية‭ ‬عليه‭. ‬وهو‭ ‬يضغط‭ ‬باتجاه‭ ‬إحياء‭ ‬زحل‭ ‬الدولتينس،‭ ‬لتجنب‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭.‬

مصر،‭ ‬المأزومة‭ ‬بجبل‭ ‬من‭ ‬الديون،‭ ‬حوّلت‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬إعفاءات‭ ‬وقروض‭ ‬ميسرة‭. ‬خبز‭ ‬100‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬حاجز‭ ‬إستراتيجي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭. ‬ولو‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المانحة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ضغطت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحاجز،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حرب‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬لكان‭ ‬الوقوف‭ ‬وراء‭ ‬اندلاعها‭ ‬خيارا‭ ‬معقولا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الإستراتيجية‭.‬

إيران‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬كانوا‭ ‬هم‭ ‬الوحيدين‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬السلاح‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬تحرير‭ ‬فلسطين،‭ ‬ويوجهون‭ ‬الإنذارات‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬أربع‭ ‬مرات‭ ‬كل‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ (‬هذا،‭ ‬لو‭ ‬أنك‭ ‬أحصيت‭ ‬ما‭ ‬يُدلى‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬التصريحات‭ ‬الرسمية‭ ‬وغير‭ ‬الرسمية‭ ‬والميليشياوية‭). ‬ولكن‭ ‬انتهى‭ ‬الأمر‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تداوله‭ ‬بأن‭ ‬قبضت‭ ‬إيران‭ ‬ثمن‭ ‬الصمت‭ (‬صمت‭ ‬السلاح،‭ ‬لا‭ ‬صمت‭ ‬الضجيج‭) ‬على‭ ‬ذبح‭ ‬غزة‭. ‬بضع‭ ‬مليارات‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لجعل‭ ‬هذا‭ ‬الصمت‭ ‬مدويا‭. ‬ولكن‭ ‬بقيت‭ ‬للضجيج‭ ‬مناوشات‭ ‬على‭ ‬جبهة‭ ‬الشمال،‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬إبقائه‭ ‬ضجيجا‭ ‬حيا‭.‬

الأسئلة‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬ولدى‭ ‬ميليشياتها،‭ ‬هي‭: ‬وماذا‭ ‬نفعل‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬ندّع‭ ‬أننا‭ ‬نريد‭ ‬الموت‭ ‬لإسرائيل؟‭ ‬وبما‭ ‬نغطي‭ ‬مشروعنا‭ ‬الطائفي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬المبرر‭ ‬لمجازرنا‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبناها‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬وهنالك؟

حماس‭ ‬نفسها‭ ‬تعرف‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬زوحدة‭ ‬الساحاتس‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ومع‭ ‬وريث‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬وكذلك‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬كانت‭ ‬وهما‭ ‬ليس‭ ‬أقل‭ ‬دويا‭ ‬من‭ ‬قصف‭ ‬الصواريخ‭ ‬على‭ ‬غزة‭. ‬تعرف‭ ‬أكثر‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬متضاربة‭ ‬أقربها‭ ‬طائفي‭ ‬تسبب‭ ‬بسلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬المجازر‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬وكان‭ ‬رهانا‭ ‬أرعن‭. ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬كلمة‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوصف‭.‬

وحدة‭ ‬الساحات‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يجدر‭ ‬الرهان‭ ‬عليها،‭ ‬هي‭ ‬الساحات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بالذات‭. ‬ليس‭ ‬ساحة‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬والقدس‭ ‬وحدهما،‭ ‬وإنما‭ ‬ساحة‭ ‬الداخل‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أيضا‭. ‬هذه‭ ‬الساحات‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬القوة‭ ‬الحاسمة‭ ‬في‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬فإنها‭ ‬تتطلب‭ ‬جرأة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬الصواريخ‭ ‬على‭ ‬العدو‭ ‬المشترك‭. ‬كانت‭ ‬تتطلب‭ ‬جرأة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬خيار‭ ‬وطني،‭ ‬نضالي‭ ‬مشترك،‭ ‬يعيد‭ ‬تقسيم‭ ‬المواقف‭ ‬والبدائل‭ ‬الإستراتيجية،‭ ‬على‭ ‬قاسم‭ ‬أعظم‭.‬هذه‭ ‬الجرأة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬ناقصة‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتوفر‭ ‬قريبا‭.‬

بحرب‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬دونها،‭ ‬غزة‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬نصرا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ساحاتها‭ ‬الداخلية‭. ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الأمر‭ ‬فهما‭ ‬معقدا‭. ‬سبعة‭ ‬ملايين‭ ‬فلسطيني‭ ‬هم‭ ‬الظهير‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬التعويل‭ ‬عليه‭. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يقتسم‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬قسمتهم‭ ‬المشتركة،‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬على‭ ‬وجهة‭ ‬إستراتيجية،‭ ‬غالبة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موحدة،‭ ‬فلا‭ ‬تعجب‭ ‬لماذا‭ ‬تتحول‭ ‬سلطة‭ ‬محمود‭ ‬عباس‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬امسخرةب،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تعجب‭ ‬لماذا‭ ‬تتحول‭ ‬سلطة‭ ‬حماس‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬مجزرة‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تعجب‭ ‬كيف‭ ‬يسود‭ ‬الخوف‭ ‬والرهبة‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬فلسطينيي‭ ‬48‭. ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬أخرى،‭ ‬كان‭ ‬فلسطينيو‭ ‬الداخل‭ ‬هم‭ ‬السباقون‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬الاحتلال‭ ‬والعنصرية‭. ‬زيوم‭ ‬الأرضس،‭ ‬الذي‭ ‬يحتفل‭ ‬به‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬للمقاومة‭ ‬أقامه‭ ‬ويديمه‭ ‬فلسطينيو‭ !‬الداخل‭. ‬أين‭ ‬هم‭ ‬اليوم؟‭ ‬حتى‭ ‬أنك‭ ‬لن‭ ‬تعثر‭ ‬على‭ ‬تظاهرة‭.‬

هذه‭ ‬مفارقة‭. ‬ولكن‭ ‬عجز‭ ‬حماس‭ ‬عن‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬القسمة،‭ ‬وإيمانها‭ ‬القاطع‭ ‬بأن‭ ‬طريقها‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬الصحيح،‭ ‬هما‭ ‬اللذان‭ ‬يقفان‭ ‬وراءها‭.‬

حسن‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬تكبيد‭ ‬عدوك‭ ‬خسائر‭ ‬زفادحةس‭. ‬ولكن‭ ‬كم‭ ‬هي‭ ‬زفادحةس‭ ‬حقا؟‭ ‬ألف،‭ ‬ألفان،‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬جندي،‭ ‬زائد‭ ‬ناقص،‭ ‬هل‭ ‬سيغير‭ ‬الكثيرَ‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬أو‭ ‬لمن‭ ‬يقف‭ ‬خلفه؟‭ ‬وعشرة‭ ‬أو‭ ‬عشرون‭ ‬أو‭ ‬خمسون‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬هل‭ ‬تشكل‭ ‬معضلة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬فعلا؟‭ ‬هل‭ ‬أدلّك‭ ‬على‭ ‬شركة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تستطيع‭ ‬تعويض‭ ‬هذا‭ ‬المبلغ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬طلب‭ ‬دعم‭ ‬من‭ ‬الكونغرس؟

إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تخوض‭ ‬حربا‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬الحرب‭ ‬بدأت‭ ‬وانتهت‭ (‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الخبير‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬قناة‭ ‬الجزيرة‭ ‬القطرية‭) ‬يوم‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬الانتقام‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬هو‭ ‬سفك‭ ‬الدماء‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سفك‭ ‬الدماء‭ ‬نفسه‭. ‬لا‭ ‬سياسة،‭ ‬ولا‭ ‬أفق،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬مفاوضات‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬يتعدى‭ ‬تبادل‭ ‬الأسرى‭.‬

معادلة‭ ‬حماس‭ ‬الاعلامية،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تتغاضى‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬القبول‭ ‬بالقسمة‭ ‬بين‭ ‬الخيارات‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬انتهت‭ ‬إلى‭ ‬صفر‭ ‬سياسي‭ ‬واستراتيجي‭ ‬كبير‭.‬

هذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالموقف‭ ‬البطولي‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬به‭ ‬المسلحون‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭. ‬إنه‭ ‬شيء‭ ‬تفعله‭ ‬تلقائيا،‭ ‬وبديهيا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬اعتبارات‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬فكرية‭. ‬أعط‭ ‬أي‭ ‬غزاوي‭ ‬بندقية‭ ‬ودعه‭ ‬يتصرف،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تسأله‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬انتماء‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬ابن‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬فقط‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬تعويض‭ ‬جدير‭ ‬بأن‭ ‬تنحني‭ ‬له‭ ‬الظهور‭ ‬وترفع‭ ‬له‭ ‬القبعات‭ ‬عاليا،‭ ‬ولكل‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تقديمه‭ ‬من‭ ‬ضحايا،‭ ‬فهو‭ ‬السعي‭ ‬لبناء‭ ‬إستراتيجية‭ ‬قسمة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مشتركة؛‭ ‬قسمة‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬سبعة‭ ‬ملايين‭ ‬فلسطيني،‭ ‬وتكف‭ ‬عن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬سند‭ ‬عربي‭ ‬لن‭ ‬يأتي‭ ‬ودعم‭ ‬تركي‭ ‬لا‭ ‬يظهر،‭ ‬وعلى‭ ‬إيران‭ ‬وحزب‭ ‬الله،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬ميليشياوي‭ ‬طائفي‭ ‬كان‭ ‬وراء‭ ‬مقتل‭ ‬وتهجير‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬18‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وحدهما،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بجوع‭ ‬لبنان‭ ‬وخراب‭ ‬اليمن‭.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

ما قام على الجريمة والكذب فاشل لا محالة

الأوان قد فات منذ أن قتل ياسر عرفات ومنذ أن قتل إسحاق رابين وأعلنت الجريمة انتصارها النهائ…