2023-11-30

السياسة التقشفية وعناوينها الكبرى: تحقيق التوازنات المالية للحدّ من عجز الميزانية العمومية وتجاهل للكلفة الاجتماعية!

عاشت‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬الأخيرين‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬حصولها‭ ‬على‭ ‬القرض‭ ‬المزمع‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬والتضييقات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬مارستها‭ ‬ضدها‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬الدولية‭ ‬المانحة‭ ‬سواء‭ ‬مؤسسات‭ ‬أو‭ ‬دولا‭ ‬ضائقة‭ ‬مالية‭ ‬دفعتها‭ ‬الى‭ ‬الاقتراض‭ ‬الداخلي‭ ‬بالعملة‭ ‬الصعبة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬قامت‭ ‬الى‭ ‬غاية‭ ‬أكتوبر‭ ‬الفارط‭ ‬بسداد‭ ‬81‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬خدمة‭ ‬الدين‭ ‬الخارجي‭.‬

ونجاح‭ ‬بلادنا‭ ‬في‭ ‬الإيفاء‭ ‬بتعهداتها‭ ‬تجاه‭ ‬الدائنين‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬ثمنه‭ ‬على‭ ‬الداخل،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬المتزامن‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬نسق‭ ‬النمو‭ ‬وتجميد‭ ‬كل‭ ‬محركاته‭ ‬مع‭ ‬بطء‭ ‬المحرك‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬دفع‭ ‬الى‭ ‬اعتماد‭ ‬سياسة‭ ‬تقشفية‭ ‬صارت‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم‭ ‬في‭ ‬المعيش‭ ‬اليومي‭ ‬للتونسيين‭. ‬وقد‭ ‬تزداد‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬وضوحا‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬تطبيق‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬أبدت‭ ‬فيه‭ ‬الحكومة‭ ‬حرصها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازنات‭ ‬مالية‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬الميزانية‭ ‬العمومية،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تجاهلت‭ ‬كلفة‭ ‬ذلك‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬افادنا‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لطفي‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬التقشفية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمقاربة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بالميزانية‭ ‬وخيار‭ ‬الحكومة‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الاتفاق‭. ‬ليضيف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تمّت‭ ‬معاينته‭ ‬من‭ ‬ميزانية‭ ‬الى‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬الميزانيات‭ ‬للسنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخيرة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الميزانية‭ ‬التي‭ ‬بصدد‭ ‬النقاش‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان،‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬التقشفية‭. ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الهاجس‭ ‬الأساسي‭ ‬للحكومة‭ ‬السابقة‭ ‬والحالية‭ ‬هو‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬عجز‭ ‬الميزانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬كتلة‭ ‬الأجور‭ ‬وفي‭ ‬حجم‭ ‬الدعم‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬نزيف‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬العمومية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬صعوبات،‭ ‬أي‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬النفقات‭.‬

وبالنسبة‭ ‬لميزانية‭ ‬2023‭ ‬و2024‭ ‬هناك‭ ‬هدف‭ ‬لتقليص‭ ‬نسبة‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬الخام‭ ‬بنقطة‭ ‬للمرور‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬7.6‭ ‬بالمائة‭ ‬الى‭ ‬6.6‭ ‬بالمائة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬التقليص‭ ‬بنقطة‭ ‬في‭ ‬كتلة‭ ‬الأجور‭ ‬والتخفيض‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭ ‬مقابل‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬تطبيق‭ ‬الأداءات‭ ‬والترفيع‭ ‬في‭ ‬قيمتها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬للسنة‭ ‬القادمة‭. ‬وبالتالي‭ ‬هناك‭ ‬سياسة‭ ‬تقشفية‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الإجراءات‭ ‬المالية‭ ‬وفي‭ ‬مستوى‭ ‬الإجراءات‭ ‬الجبائية‭.‬

والأثر‭ ‬المباشر‭ ‬لما‭ ‬ذكره‭ ‬المتحدث‭ ‬هو‭ ‬ضرب‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين‭ ‬والأسر‭ ‬التونسية‭ ‬وكذلك‭ ‬الإدارة‭. ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬الرافع‭ ‬الأساسي‭ ‬للنمو‭ ‬ومحركاته‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬المحاسبة‭ ‬الوطنية‭ ‬هي‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والتصدير‭ ‬والاستثمار،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مناب‭ ‬هذه‭ ‬المحركات‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بالناتج‭ ‬المحلي‭ ‬ومن‭ ‬الخيرات‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬توفيرها‭ ‬وخلقها‭ ‬ومن‭ ‬الواردات‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬نسبة‭ ‬الثلثين،‭ ‬وما‭ ‬تبقى‭ ‬يتوزع‭ ‬بين‭ ‬التصدير‭ ‬والاستثمار،‭ ‬ليؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬يتطلب‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬والاستهلاك‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬عجلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتشغيل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تقود‭ ‬اقتصادها‭ ‬بمنطق‭ ‬محاسباتي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬نسب‭ ‬عجز‭ ‬الميزانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقليص‭ ‬كتلة‭ ‬الأجور‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬النفقات،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬تجاهل‭ ‬لمسألة‭ ‬خلق‭ ‬الثروة‭ ‬ورفع‭ ‬نسبة‭ ‬النمو‭ ‬وتحريك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتعزيز‭ ‬محركاته‭ ‬الأساسية،‭ ‬لاسيما‭ ‬الاستهلاك‭ ‬كإحدى‭ ‬رافعاته‭ ‬الأساسية‭.‬

وأوضح‭ ‬الأستاذ‭ ‬لطفي‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬انه‭ ‬تبعا‭ ‬لاعتمادها‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬التقشفية‭ ‬فإن‭ ‬الميزانية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬الدولة‭ ‬الذاتية‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬بالمائة‭ ‬ومصدرها‭ ‬الأساسي‭ ‬الموارد‭ ‬الجبائية‭ ‬المتأتية‭ ‬من‭ ‬مدخول‭ ‬الأجير‭ ‬سواء‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الضرائب‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬40‭ ‬بالمائة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭ ‬بالمائة‭. ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬حسب‭ ‬محدثنا‭ ‬يمثل‭ ‬فرزا‭  ‬غير‭ ‬عادل‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الأجراء‭.‬

وفي‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الضريبة‭ ‬على‭ ‬الدخل‭ ‬أو‭ ‬الضريبة‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬والضرائب‭ ‬المباشرة‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬نجد‭ ‬حسب‭ ‬المتحدث‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬والمتوسطة‭ ‬والصغرى‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬بنسبة‭ ‬الثلث‭ ‬والأشخاص‭ ‬الطبيعيون‭ ‬بنسبة‭ ‬الثلثين‭ ‬وبالنسبة‭ ‬للضريبة‭ ‬على‭ ‬الدخل‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬سبعة‭ ‬أصناف،‭ ‬نجد‭ ‬ان‭ ‬الأجير‭ ‬يتحمل‭ ‬نسبة‭ ‬الثلثين‭ ‬وبقية‭ ‬الأصناف‭ ‬تتحمل‭ ‬نسبة‭ ‬الثلث‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬الأعباء‭ ‬الجبائية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الأجير‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬مقدرته‭ ‬الشرائية‭ ‬ويؤدي‭ ‬بالتالي‭ ‬الى‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عوض‭ ‬إنعاشه‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬هذه‭ ‬المقدرة‭.‬

وبالتالي‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬المباشرة‭ ‬للسياسة‭ ‬التقشفية‭ ‬المتبعة‭ ‬حسب‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لطفي‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬هي‭ ‬تفقير‭ ‬الأجير‭ ‬بسبب‭ ‬اضعاف‭ ‬قدرتة‭ ‬الشرائية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬مضاعفة‭ ‬هشاشة‭ ‬أوضاع‭ ‬بقية‭ ‬الطبقات‭ ‬الهشة‭ ‬بطبعها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬صغار‭ ‬الفلاحين‭ ‬والحرفيين‭ ‬والعاملين‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬هشة‭ ‬أو‭ ‬بصيغ‭ ‬هشة‭. ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬هذا‭ ‬الإشكال‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬التضخم‭ ‬التي‭ ‬فاقت‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬نسبة‭ ‬10‭ ‬بالمائة‭ ‬وإصرار‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬كمؤتمن‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الفائدة‭ ‬المديرية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬التقليص‭ ‬من‭ ‬نسبة‭ ‬التضخم‭.‬

‭ ‬وهذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬الأخرى‭ ‬حسب‭ ‬محدثنا‭ ‬تؤكد‭ ‬عدم‭ ‬نجاح‭ ‬السياسة‭ ‬التقشفية‭ ‬المعتمدة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬البنوك‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المنتفعين‭ ‬منها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أصبحت‭ ‬مموّلا‭ ‬رئيسيا‭ ‬للاقتصاد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحاجة‭ ‬للاقتراض‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الدولة‭ ‬أولى‭ ‬المقترضين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إيجاد‭ ‬تمويل‭ ‬لنفقاتها‭ ‬عوض‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬توفير‭ ‬السيولة‭ ‬لتمويل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والاستهلاك‭.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

الرئيس يؤكد على أن الحلول تونسية تونسية للخروج من الأزمات : التعويل على الذات منشود..لكن بشروط..!

بمناسبة الذكرى الـ 86 لعيد الشهداء التي أحيتها بلادنا أمس الأول، زار رئيس الجمهورية قيس سع…