2023-10-25

«زفاف اليوناني الكبير 3» النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لعمل فني جيد

بعد‭ ‬مرور‭ ‬21‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬و7‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني،‭ ‬صدر‭ ‬أخيرا‭ ‬الجزء‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬أفلام‭ ‬ززفافي‭ ‬اليوناني‭ ‬الكبيرس‭ (‬My Big Fat Greek Wedding‭).‬

وقد‭ ‬فوجئ‭ ‬الكثيرون‭ ‬بالمستوى‭ ‬الفني‭ ‬المتوسط‭ ‬والجماهيرية‭ ‬المحدودة‭ ‬التي‭ ‬حظي‭ ‬بها‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬2016،‭ ‬ورغم‭ ‬نجاح‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬للحَد‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬يحصد‭ ‬لقب‭ ‬الفيلم‭ ‬الكوميدي‭ ‬الرومانسي‭ ‬الأعلى‭ ‬ربحا‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬ويحافظ‭ ‬عليه‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬مُستمرا‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬العرض‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬عاما‭ ‬كاملا‭ ‬حصد‭ ‬خلاله‭ ‬368‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬مقابل‭ ‬ميزانية‭ ‬قدرها‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬دولار،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ترشّحه‭ ‬لجائزة‭ ‬الأوسكار‭ ‬لأفضل‭ ‬سيناريو‭ ‬أصلي،‭ ‬وهو‭ ‬النجاح‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتوقّعه‭ ‬صانعوه؛‭ ‬فإن‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬استثمرت‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬الجودة‭.‬

ومنها‭ ‬مسلسل‭ ‬زحياتي‭ ‬اليونانية‭ ‬الكبيرةس‭ (‬My Big Fat Greek Life‭) ‬الذي‭ ‬عُرض‭ ‬في‭ ‬2003‭ ‬ومنحه‭ ‬الجمهور‭ ‬تقييما‭ ‬بلغ‭ ‬4.7‭ ‬نقاط‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬زآي‭ ‬إم‭ ‬دي‭ ‬بيس‭ (‬IMDb‭) ‬الفني،‭ ‬أو‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يحصد‭ ‬إلا‭ ‬90‭ ‬مليون‭ ‬دولار؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بلغت‭ ‬ميزانيته‭ ‬18‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬واتفق‭ ‬النقاد‭ ‬والجمهور‭ ‬على‭ ‬نمطية‭ ‬فكرته‭ ‬دون‭ ‬نفي‭ ‬صلوحيته‭ ‬للمشاهدة‭ ‬باعتباره‭ ‬فيلما‭ ‬خفيفا‭ ‬مناسبا‭ ‬للعطلات،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬جعبة‭ ‬كاتبته‭ ‬وبطلته‭ ‬لترويه‭ ‬بجزء‭ ‬جديد؟

لماذا‭ ‬الآن؟

طُرح‭ ‬فيلم‭ ‬ززفافي‭ ‬اليوناني‭ ‬الكبير‭ ‬3س‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬ومع‭ ‬حلول‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري‭ ‬بات‭ ‬مُتاحا‭ ‬للمشاهدة‭ ‬عبر‭ ‬المنصات،‭ ‬لكن‭ ‬إيراداته‭ ‬لم‭ ‬تتخط‭ ‬حاجز‭ ‬37‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬

أبطال‭ ‬الجزء‭ ‬الحالي‭ ‬هم‭ ‬أنفسهم‭ ‬النجوم‭ ‬القدامى،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬نيا‭ ‬فاردالوس‭ ‬مؤلفة‭ ‬ومخرجة‭ ‬الفيلم‭ ‬كذلك،‭ ‬يشاركها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬جون‭ ‬كوربيت،‭ ‬لويس‭ ‬مانديلور،‭ ‬إيلينا‭ ‬كامبوريس،‭ ‬جيا‭ ‬كاريدس،‭ ‬جوي‭ ‬فاتون،‭ ‬ليني‭ ‬كازان،‭ ‬وأندريا‭ ‬مارتن‭.‬

وعلى‭ ‬عكس‭ ‬الأجزاء‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬أحداثها‭ ‬في‭ ‬شيكاغو،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬وقوع‭ ‬شابة‭ ‬من‭ ‬خلفية‭ ‬يونانية‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬رجل‭ ‬أمريكي‭ ‬وما‭ ‬تبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬كوميديا‭ ‬ذكية‭ ‬بُنيت‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬الثقافات‭ ‬والتطلعات‭ ‬والعادات‭ ‬لكل‭ ‬عائلة،‭ ‬ثم‭ ‬نجاحهما‭ ‬بالزواج‭ ‬بالفعل‭ ‬ومعاناتهما‭ ‬مع‭ ‬ابنتهما‭ ‬المراهقة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬للهرب‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬صخب‭ ‬العائلة‭ ‬الجامح،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬جامعية‭ ‬بعيدة‭ ‬جدا،‭ ‬تدور‭ ‬الحبكة‭ ‬الجديدة‭ ‬بأكملها‭ ‬في‭ ‬اليونان‭.‬

تجربة‭ ‬فنية‭ ‬متواضعة

تتمحور‭ ‬الأحداث‭ ‬حول‭ ‬تولا‭ ‬التي‭ ‬يُوصيها‭ ‬والدها‭ ‬قبل‭ ‬وفاته‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬أصدقاء‭ ‬طفولته‭ ‬القدامى‭ ‬ومنحهم‭ ‬مُذكّراته،‭ ‬هنا‭ ‬يتفتّق‭ ‬ذهن‭ ‬البطلة‭ ‬عن‭ ‬اصطحاب‭ ‬العائلة‭ ‬بأكملها‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬جذورهم‭ ‬القديمة‭ ‬حيث‭ ‬مسقط‭ ‬رأس‭ ‬الأب‭.‬

لكن،‭ ‬اليونان‭ ‬التي‭ ‬نشاهدها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬رأيناها‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬زماما‭ ‬ميا‭!‬س،‭ ‬إذ‭ ‬تبدو‭ ‬أقل‭ ‬إبهارا‭ ‬ومعاصرة،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬لأن‭ ‬الأحداث‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬نائية‭ ‬بعيدة،‭ ‬ومن‭ ‬أخرى‭ ‬لأن‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬تجربة‭ ‬نيا‭ ‬فاردالوس‭ ‬الإخراجية‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬تجربة‭ ‬سابقة‭ ‬في‭ ‬2009‭.‬

ولما‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬متمرسة‭ ‬بالإخراج‭ ‬وموهبتها‭ ‬به‭ ‬محدودة،‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬التجربة‭ ‬ماتعة‭ ‬بصريا‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬حملته‭ ‬من‭ ‬مقومات،‭ ‬حيث‭ ‬اكتفت‭ ‬فاردالوس‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬حشد‭ ‬النجوم‭ ‬داخل‭ ‬الكادر‭ ‬بدون‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬والجماليات‭ ‬الأخرى‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الكتابة‭ ‬والسيناريو‭ ‬والحوار،‭ ‬فلم‭ ‬يختلف‭ ‬الأمر‭ ‬كثيرا،‭ ‬لأن‭ ‬الحبكة‭ ‬شديدة‭ ‬السطحية‭ ‬والتفكك،‭ ‬وحتى‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬الأبطال‭ ‬تُخمد‭ ‬جذوتها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتصاعد‭ ‬نحو‭ ‬الذروة،‭ ‬مما‭ ‬أفرغ‭ ‬العمل‭ ‬تماما‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬إثارة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬محور‭ ‬الصراع‭ ‬الرئيسي‭ ‬ومحاولات‭ ‬البطلة‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الثلاثة‭ ‬القدامى‭ ‬للأب‭ ‬الراحل‭ ‬تجري‭ ‬بعشوائية‭ ‬بدون‭ ‬التركيز‭ ‬عليهم‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بفكرة‭ ‬العثور‭ ‬عليهم،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحوا‭ ‬مجرد‭ ‬كومبارس‭ ‬صامتين‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬شِبه‭ ‬إجماع‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬من‭ ‬النقاد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬السابق،‭ ‬كونه‭ ‬يحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخِفّة‭ ‬والإيماءات‭ ‬العائلية‭ ‬اللطيفة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬أجدر‭ ‬بالمشاهدة‭ ‬متى‭ ‬جرت‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭.‬

الهروب‭ ‬إلى‭ ‬الداخل

الفارق‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يُحسب‭ ‬لصانعة‭ ‬العمل،‭ ‬سباحتها‭ ‬ضد‭ ‬التيار،‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تُسلّط‭ ‬غالبية‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬الحديثة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬محاولات‭ ‬المواطنين‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬أوطانهم‭ ‬المكبوتة‭ ‬أو‭ ‬المنكوبة‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬أكثر‭ ‬رحابة‭ ‬وانفتاحا،‭ ‬اختارت‭ ‬فاردالوس‭ ‬العودة‭ ‬بأبطال‭ ‬حكايتها‭ ‬إلى‭ ‬أصولهم‭ ‬القديمة‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬جذور‭ ‬تربطهم‭ ‬بأرض‭ ‬الآباء‭ ‬الأولى‭ ‬وتمنحهم‭ ‬شعورا‭ ‬حقيقيا‭ ‬بالانتماء‭ ‬والمركزية‭.‬

وهو‭ ‬الموضوع‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتماس‭ ‬مع‭ ‬عوام‭ ‬العائلات‭ ‬المهاجرة‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الاندماج‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬نقاط‭ ‬تقاطع‭ ‬مع‭ ‬الأجداد،‭ ‬وتصطدم‭ ‬بفوارق‭ ‬ثقافية‭ ‬شاسعة‭ ‬واختلافات‭ ‬جذرية‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬التقاليد‭ ‬الموروثة‭ ‬والعادات‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الحداثي‭ ‬مما‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصراعات،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الفيلم‭ ‬استعرض‭ ‬ذلك‭ ‬بتسطيح‭ ‬مُخل‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الابتذال‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الكوميديا‭.‬

أما‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬خلال‭ ‬العمل،‭ ‬فهو‭ ‬خلو‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬سكنها‭ ‬الأبطال‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬تغطية‭ ‬الهواتف‭ ‬والإنترنات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فرض‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬الاندماج‭ ‬معا‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬ومنح‭ ‬المشاهدين‭ ‬أنفسهم‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬من‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف‭ ‬الساعة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬صخب‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تبتلع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وتمنحه‭ ‬إما‭ ‬قدرا‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬أو‭ ‬الزيف‭.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

197 يوم من الإبادة:  34094 شهيد.. ومفاوضات الهدنة معطّلة..!

الصحافة اليوم (وكالات الأنباء) واصل جيش الاحتلال الصهيوني حربه على قطاع غزة لليوم الـ197، …