2023-10-24

ارتفاع منسوب العنف في تونس اعتداءات وحشية قد تصل درجة القتل..!

خيّم‭ ‬الحزن‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬نابل‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬لقيت‭ ‬الشابة‭ ‬غفران‭ ‬الزمني‭ ‬حتفها‭ ‬عندما‭ ‬تعرضت‭ ‬للضرب‭ ‬والتعنيف‭ ‬من‭ ‬زميلة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬انتهى‭ ‬بها‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬لعدة‭ ‬أيام‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفارق‭ ‬الحياة‭ ‬متأثرة‭ ‬بإصابتها‭ ‬البليغة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الرأس‭. ‬

حادثة‭ ‬غفران‭ ‬ليست‭ ‬الأولى‭ ‬ولا‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ارتفع‭ ‬فيه‭ ‬منسوب‭ ‬العنف‭ ‬بشتى‭ ‬أشكاله‭ ‬وأنواعه‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬سقف‭ ‬للعنف‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬حدود‭ ‬للمعتدي‭ ‬أو‭ ‬القائم‭ ‬بالتعنيف،‭ ‬وتواتر‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬العنيفة‭ ‬والحوادث‭ ‬التي‭ ‬نسمع‭ ‬بها‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬يضعنا‭ ‬أمام‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية،‭ ‬أي‭ ‬أسباب‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬أو‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬أشخاص‭ ‬عاديين‭ ‬مشروع‭ ‬مجرمين؟‭ ‬وأي‭ ‬أرضية‭ ‬تؤسس‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة؟‭  ‬أسئلة‭ ‬كثيرة‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬لها‭ ‬البعض‭ ‬تفسيرا‭ ‬أو‭ ‬تبريرا‭ ‬ولكن‭ ‬الإشكال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التفسير‭ ‬أو‭ ‬تشخيص‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬تجتاح‭ ‬مجتمعنا‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭ ‬تخرجنا‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬الخبز‭ ‬اليومي‭ ‬لعديد‭ ‬الأشخاص‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬نسقط‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬استسهال‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬والقبول‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭.‬

فوفق‭ ‬آخر‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬دراسات‭ ‬وتقارير‭ ‬للمنتدى‭ ‬التونسي‭ ‬للحقوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬حول‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬فإن‭ ‬العنف‭ ‬الإجرامي‭ ‬وإلى‭ ‬حدود‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2021‭ ‬بلغ‭ ‬64,6‭ ‬بالمائة‭ ‬وهي‭ ‬أعلى‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أشكال‭ ‬العنف‭ ‬المرصودة‭ ‬يليها‭ ‬العنف‭ ‬المؤسساتي‭ ‬بنسبة‭ ‬٪12.9‭ ‬والعنف‭ ‬السياسي‭ ‬بنسبة‭ ‬6.5‭ ‬بالمائة‭.‬

ويعتبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬منتظر‭ ‬وليس‭ ‬بالأمر‭ ‬المفاجئ‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬للظروف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬البلاد‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬

فكل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬المختلفة‭ ‬ساهمت‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬في‭ ‬تنامي‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬بأنواعه‭ ‬حيث‭ ‬أصبحنا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الكمي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬الحديث‭ ‬والنقاش‭ ‬حول‭ ‬تطور‭  ‬نوعية‭ ‬العنف‭. ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬تجاوز‭ ‬أشكاله‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬السرقة‭ ‬والسلب‭ ‬وقطع‭ ‬الطرق‭ ‬ليأخذ‭ ‬أشكالا‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬استعمال‭ ‬الأسلحة‭ ‬بنية‭ ‬القتل‭.‬

ويفسر‭ ‬مختصون‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬كمية‭ ‬العنف‭ ‬ونوعه‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬بعدة‭ ‬عوامل‭ ‬كتدهور‭ ‬المقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬والانفلات‭ ‬الأمني‭ ‬والتدني‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وخاصة‭ ‬انهيار‭ ‬المنظومة‭ ‬التربوية‭ ‬والقيمية‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬العنف‭ ‬بديلا‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬النقائص‭ ‬والصعوبات‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬التونسيون‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭.‬

وبالرغم‭ ‬مما‭ ‬بلغته‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬معالجتها،‭ ‬وهي‭ ‬معالجة‭ ‬تقليدية،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الحلّ‭ ‬الأمني‭ ‬والردعي‭ ‬وهو‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حلا‭ ‬ناجعا‭ ‬والدليل‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬يتكرر‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الأشخاص‭ ‬وبنفس‭ ‬درجة‭ ‬الخطورة‭.‬

يؤكد‭ ‬كل‭ ‬المتابعين‭ ‬للشأن‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬استفحلت‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬هاجسا‭ ‬يؤرق‭ ‬عديد‭ ‬العائلات‭ ‬وجزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬الإحساس‭ ‬بالأمان‭.‬كما‭ ‬أصبح‭ ‬العنف‭ ‬عقيدة‭ ‬الجزء‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬وآليته‭ ‬الوحيدة‭ ‬للتعبير‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الامر‭ ‬تطور‭ ‬وبلغ‭ ‬حد‭ ‬تصدير‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬قتال‭ ‬خارجية‭. ‬ولكن‭ ‬اللافت‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أنها‭ ‬امتدت‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬أصبح‭ ‬السمة‭ ‬الطاغية‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الخبراء‭ ‬يدقون‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬إيذانا‭ ‬بضرورة‭ ‬التحرك‭ ‬لتطويق‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬اسباب‭ ‬تشكّلها‭ ‬وآليات‭ ‬تفكيكها‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬اليوم‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تهدد‭ ‬سلامة‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتعالى‭ ‬الأصوات‭ ‬المنادية‭ ‬بضرورة‭ ‬تجاوز‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بتشخيص‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬النظري‭ ‬فقط‭ ‬والمضي‭ ‬قدما‭ ‬نحو‭ ‬تطويق‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الخطيرة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬صنف‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬باتواالفئة‭ ‬الأكثر‭ ‬قياما‭ ‬بالعنف‭ ‬والأكثر‭ ‬تعرضا‭ ‬أيضا‭ ‬لها‭. ‬حيث‭ ‬ينادي‭ ‬مختصون‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بضرورة‭ ‬الإصلاح‭ ‬الجذري‭ ‬والانطلاق‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬المشاكل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬المؤدية‭ ‬للعنف‭.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

دعا اليها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ضمن تقرير لشهر أفريل الجاري : تأهيل البنية التحتية للمدارس حتى تستجيب لأبسط المقومات التي يحتاجها التلميذ للدراسة

• وضعية كارثية لعديد المؤسسات التربوية في تونس مما يؤثر على الصحة النفسية والجسدية للتلميذ…