2023-08-19

نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الصراحة‭.. ‬والمقاومة‭ ‬الشاملة: حتى‭ ‬لا‭ ‬تتكرّر‭ ‬أزمة‭ ‬الخبز‭..!‬

أخيرا‭ ‬تفاعلت‭ ‬الهيئات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الرقابية‭ ‬والأمنية‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيد،‭ ‬وتم‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قياسي‭ ‬نسبيا‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬مخالفات‭ ‬كثيرة‭ ‬تقترفها‭ ‬بعض‭ ‬المطاحن‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬إيقاف‭ ‬أحد‭ ‬الناشطين‭ ‬البارزين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬المخابز‭. ‬

والتفاعل‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬ملحوظ،‭ ‬حصل‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬الاجتماع‭ ‬الذي‭ ‬أشرف‭ ‬عليه‭ ‬ساكن‭ ‬قرطاج‭ ‬مطلع‭ ‬الأسبوع‭ ‬الجاري‭ ‬وتحديدا‭ ‬مساء‭ ‬الاثنين،‭ ‬وحضره‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬وزيري‭ ‬الداخلية‭ ‬والتجارة‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الإطارات‭ ‬الأمنية‭ ‬وتم‭ ‬خلاله‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬حملة‭ ‬المراقبة‭ ‬على‭ ‬المطاحن‭.‬

ودعا‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬بالمناسبة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يختلقون‭ ‬الأزمات‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بغاية‭ ‬تأجيج‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره،‭ ‬وأكد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬مواصلة‭ ‬اليقظة‭ ‬واستمرار‭ ‬المراقبة‭ ‬تحسبا‭ ‬لأي‭ ‬محاولات‭ ‬بائسة‭ ‬لافتعال‭ ‬أزمات‭ ‬جديدة‭. ‬

ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فحسب،‭ ‬فقد‭ ‬أشرف‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬على‭ ‬جلسة‭ ‬عمل‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى‭ ‬أول‭ ‬أمس‭ ‬الخميس‭ ‬17‭ ‬أوت‭ ‬2023،‭ ‬ضمت‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬ووزراء‭ ‬الداخلية‭ ‬والمالية‭ ‬والشؤون‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬النقاط‭ ‬الرئيسية‭ ‬للاجتماع‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتكار‭ ‬وتطبيق‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬وكانت‭ ‬مناسبة‭ ‬أيضا‭ ‬لساكن‭ ‬قرطاج‭ ‬للتأكيد‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الدولة‭ ‬وضرورة‭ ‬تناسق‭ ‬أعمال‭ ‬كل‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وتناغم‭ ‬المسؤولين‭ ‬فيها‭.‬

وفي‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬ومشفّرة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬قال‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬لرئيس‭ ‬حكومته‭ ‬أحمد‭ ‬الحشاني‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬عبر‭ ‬صفحات‭ ‬الفيسبوك‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تدار‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬مسوؤل‭ ‬فيها،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتكلم‭ ‬باسم‭ ‬الدولة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬سند‭ ‬قانوي‭ ‬داخلها‭.‬

واللاّفت‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬إطلالات‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬تمسكه‭ ‬بموقفه‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬أزمة‭ ‬الخبز‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أزمة‭ ‬مفتعلة‭ ‬ومؤامرة‭ ‬ويجب‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬خاصة‭ ‬وان‭ ‬البعض‭ ‬حسب‭ ‬رأيه‭ ‬يخطط‭ ‬لاختلاق‭ ‬أزمات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بالمواد‭ ‬الأساسية‭.‬

‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬أزمة‭ ‬الخبز‭ ‬ـ‭ ‬المؤامرة‭ ‬ـ‭  ‬لا‭ ‬مناص‭ ‬من‭ ‬التشخيص‭ ‬السليم‭ ‬ومن‭ ‬الصراحة‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬التقييم‭ ‬وتطوير‭ ‬طريقة‭ ‬وأشكال‭ ‬المقاومة‭ ‬حماية‭ ‬للعباد‭ ‬والبلاد‭ .‬

ان‭ ‬الصراحة‭ ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬تقتضي‭ ‬الإقرار‭ ‬بان‭ ‬أزمة‭ ‬الخبز‭ ‬وأزمة‭ ‬بقية‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭ ‬المدعومة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬الذروة‭ ‬لولا‭ ‬تظافر‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الشروط‭ ‬والأسباب‭ ‬والمسببات،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬بداية‭ ‬القفز‭ ‬على‭ ‬السياق‭ ‬الدولي‭ ‬فالأوضاع‭ ‬العالمية‭ ‬كارثية‭ ‬زادتها‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الاوكرانية‭ ‬تعقيدا‭ ‬بما‭ ‬ان‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬ببلدين‭ ‬من‭ ‬اكبر‭ ‬البلدان‭ ‬المنتجة‭ ‬للحبوب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬اضافة‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الحرب‭ ‬بينهما‭ ‬اندلعت‭ ‬مباشرة‭ ‬ونحن‭ ‬نكاد‭ ‬نلتقط‭ ‬الأنفاس‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الكوفيد‭.‬

هذا‭ ‬المناخ‭ ‬الدولي‭ ‬وجد‭ ‬أرضية‭ ‬جد‭ ‬مناسبة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬المنهكة،‭ ‬انضاف‭ ‬الى‭ ‬بؤس‭ ‬عقود‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬وبعد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬بؤس‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬ملحمة‭ ‬14‭ ‬جانفي‭ ‬2011‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬حيث‭ ‬فرطت‭ ‬منظومات‭ ‬الحكم‭ ‬المتعاقبة‭ ‬على‭ ‬منجزات‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬على‭ ‬علاتها‭ ‬بشكل‭ ‬جعل‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬هشة‭ ‬غير‭ ‬محصنة‭ ‬بل‭ ‬وأرضا‭ ‬خصبة‭ ‬لتنامي‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الجرائم‭ ‬بدءا‭ ‬بالفساد‭ ‬والاحتكار‭ ‬والتهريب‭ ‬والإرهاب‭ ‬وغيرها‭..‬

وعندما‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬رشحت‭ ‬بعد‭ ‬إيقاف‭ ‬رئيس‭ ‬نقابة‭ ‬المخابز‭ ‬مثلا‭ ‬وكذلك‭ ‬حملات‭ ‬التفقد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المخابز‭ ‬والمطاحن‭ ‬نكتشف‭ ‬حجم‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬سهّل‭ ‬ووفر‭ ‬التربة‭ ‬الخصبة‭ ‬لاستفحال‭ ‬الأزمات‭ ‬وهنا‭ ‬يطرح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬كيف‭ ‬لشخص‭ ‬واحد‭ ‬ان‭ ‬يمتلك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مخبزة؟‭ ‬بأي‭ ‬صيغة‭ ‬وبأي‭ ‬طريقة‭ ‬وكيف‭ ‬ينتفع‭ ‬هذا‭ ‬او‭ ‬ذاك‭ ‬بالدقيق‭ ‬المدعم‭ ‬وكيف‭ ‬يفرط‭ ‬البعض‭ ‬ايضا‭ ‬فيما‭ ‬يتحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬دقيق‭ ‬مدعم‭ ‬كعلف‭ ‬او‭ ‬كمادة‭ ‬اولية‭ ‬لمصنعي‭ ‬الخبز‭ ‬والمرطبات‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ثمة‭ ‬إفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬وتغاض‭ ‬عن‭ ‬تجريم‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭  ‬لولا‭ ‬ذلك‭ ‬لما‭ ‬تحدى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬

وهنا‭ ‬أيضا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تبرئة‭ ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬صمت‭ ‬عن‭ ‬الباطل‭ ‬فالسكوت‭ ‬عن‭ ‬الباطل‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬باطل‭ ‬أيضا‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المقاومة‭ ‬الثقافية‭ ‬والتربوية‭ ‬ان‭ ‬جاز‭ ‬القول‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الميادين‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تشملها‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الاحتكار‭ ‬والفساد‭.‬

في‭ ‬غضون‭ ‬ذلك‭ ‬ثمة‭ ‬بصيص‭ ‬امل‭ ‬يستغرب‭ ‬المرء‭ ‬ان‭ ‬تتحدث‭ ‬عنه‭ ‬المنظمة‭ ‬الشغيلة‭ ‬مثلا‭ ‬وبعض‭ ‬الإعلام‭ ‬الوطني‭ ‬وحتى‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تصمت‭ ‬فيه‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مستوياتها‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬سرا‭ ‬أو‭ ‬كأن‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬سوء‭ ‬تقدير‭ ‬لأهمية‭ ‬هذه‭ ‬المعلومة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نقول‭ ‬انها‭ ‬تدحض‭ ‬رواية‭ ‬المؤامرة‭ ‬ولكنها‭ ‬تنسبها‭ ‬وتبشر‭ ‬التونسيين‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأهم‭ ‬بأن‭ ‬القادم‭ ‬افضل‭.‬

لقد‭ ‬مرت‭ ‬ساعات‭ ‬وربما‭ ‬أيام‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬رسو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البواخر‭ ‬المحملة‭ ‬بالحبوب‭ ‬والشعير‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭ ‬التونسية‭ ‬وفق‭ ‬مصادر‭ ‬نقابية‭ ‬رسمت‭ ‬حتى‭ ‬صورا‭ ‬وخرائط‭ ‬رقمية،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تعليق‭ ‬رسمي‭ ‬على‭ ‬الموضوع‭.‬

ان‭ ‬ازمة‭ ‬الخبز‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الازمات‭ ‬التي‭ ‬تقض‭ ‬مضجع‭ ‬التونسيين‭ ‬يجب‭ ‬ألاّ‭ ‬تتكرر‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬الامنيات‭ ‬وبين‭ ‬تحقيقها‭ ‬فجميل‭ ‬ان‭ ‬نتمنى‭ ‬ونحلم‭ ‬بعدم‭ ‬تكرار‭ ‬الازمات‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬يستوجب‭ ‬منا‭ ‬عملا‭ ‬جبارا‭ ‬ومقاومة‭ ‬شاملة‭ ‬أمنية‭ ‬وقضائية‭ ‬وسياسية‭ ‬وثقافية‭ ‬وتربوية‭ ‬حتى‭ ‬نعالج‭ ‬الازمة‭ ‬الراهنة‭ ‬والاهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬نحصّن‭ ‬انفسنا‭ ‬من‭ ‬تكرارها‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬الحكمة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تقودنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المعارك‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬تونس‭ ‬الجديدة‭.‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

إنقاذ «المصعد الاجتماعي» لم يعد يحتمل التأجيل: «التوانسة» يواصلون تعديل ساعاتهم على الباكالوريا

«نسبة النجاح مشرّفة جدّا».. هكذا علّقت وزيرة التربية سلوى العباسي على نتائج الدورة الرئيسي…