مع دخول قواعد المنشإ الإفريقية لقطاع السيارات حيز التنفيذ فرص جديدة وسوق هامة لصناعة مكونات السيارات التونسية
دخلت قواعد المنشإ الخاصة بقطاع السيارات ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ خلال سنة 2026 في إطار توجه إفريقي يهدف إلى دعم التصنيع داخل القارة من خلال اشتراط نسبة دنيا قدرها 40 بالمائة من المحتوى الإفريقي في المنتجات المستفيدة من الامتيازات الجمركية. وهو ما يعيد تشكيل سلاسل القيمة ويجعل من الاندماج الصناعي داخل إفريقيا عاملا أساسيا للتنافسية.
ويأتي هذا التحول في سياق سعي الدول الإفريقية إلى تقليص التبعية للخارج وتعزيز التكامل الاقتصادي بين بلدان القارة، خاصة في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة العالية وعلى رأسها قطاع السيارات.
وفي هذا الإطار يبرز قطاع السيارات في تونس كأحد القطاعات الصناعية التي يمكن أن تتأثر مباشرة بهذه التحولات، خاصة وأنه يشهد نموا متواصلا خلال السنوات الأخيرة حيث بلغ عدد الشركات الناشطة فيه أكثر من 280 مؤسسة خلال سنة 2025 ويشغّل ما يزيد عن 120 ألف عامل، كما يحقق صادرات تُقدّر بنحو 3.9 مليارات يورو مع معدل نمو سنوي متوسط في حدود 16 بالمائة منذ سنة 2018، مما يعكس ديناميكية واضحة في تطور هذا القطاع.
ويعود تحسن مردودية هذا القطاع إلى تظافر عدة عوامل، من بينها تطور رأس المال البشري، توفر كفاءات تقنية وهندسية، إلى جانب الموقع الجغرافي القريب من أوروبا وشبكة اتفاقيات تجارية تغطي قرابة 100 دولة الأمر الذي ساهم في تعزيز اندماج تونس في سلاسل الإنتاج العالمية. وبفضل هذه العوامل، تمكنت المنظومة الصناعية التونسية من التطور لتشمل مختلف حلقات صناعة مكونات السيارات، من الأسلاك الكهربائية والأنظمة الميكانيكية إلى المكونات البلاستيكية والإلكترونية، فضلا عن أنشطة مرتبطة بالبرمجيات والهندسة.
وبالانتقال إلى الأسواق الخارجية، يتضح أن صادرات القطاع لا تزال موجهة بالأساس نحو البلدان الأوروبية، حيث تستحوذ ألمانيا على حوالي 37 بالمائة من الصادرات التونسية في هذا المجال، تليها فرنسا بنسبة 21 بالمائة ثم رومانيا بـ12 بالمائة وإيطاليا بـ11 بالمائة. ويعكس هذا التوجه مدى اندماج المنتجات التونسية في السوق الأوروبية مقابل حضور محدود نسبيا في الأسواق الإفريقية، رغم الإمكانيات التي تتيحها الاتفاقية القارية الجديدة.
ومع دخول بنود هذه الاتفاقية حيز التنفيذ والنظر إلى الشرط الخاص بـ «40 بالمائة» من المحتوى الإفريقي، يمكن القول إن هذا يعد فرصة محتملة لتونس لإعادة تموقعها داخل سلاسل القيمة، إذ قد تلجأ الشركات المصنعة في دول إفريقية أخرى إلى التزود بمكونات من تونس بهدف تلبية هذا الشرط والاستفادة من الامتيازات الجمركية الأمر الذي سيساهم في توسيع قاعدة الحرفاء وتنويع الأسواق، خاصة في ظل توقعات بنمو سوق السيارات في إفريقيا إلى نحو 1.5 مليون وحدة في 2026 مع إمكانية بلوغ 2.2 مليون وحدة في أفق 2035.
غير أن دخول تونس هذا الخيار الجغرافي الجديد واكتساح الأسواق الإفريقية لا يخلو من تحديات، إذ أن الاستفادة من هذه الفرص تبقى مرتبطة بمدى قدرة تونس على تحسين اندماجها في محيطها الإفريقي، في ظل استمرار محدودية العلاقات التجارية مع العديد من دول القارة، إضافة إلى التحديات اللوجستية المرتبطة بالنقل والربط، فضلا عن تعقيد بعض الإجراءات المتعلقة بقواعد المنشإ. ومن شأن هذه العوامل مجتمعة أن تحد من استفادة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل جزءا مهما من النسيج الصناعي الناشط في هذا القطاع.
وفي سياق متصل، تواجه تونس منافسة قوية من دول تمتلك منظومات صناعية أكثر تطورا وعلى رأسها المغرب وجنوب إفريقيا اللتين تستحوذان على الحصة الأكبر من الإنتاج الإفريقي، وهو ما يمنحهما أفضلية في جذب الاستثمارات وتطوير سلاسل القيمة، مما يفرض على تونس مضاعفة جهودها للحفاظ على تنافسيتها وتعزيز موقعها.
ولان قطاع السيارات ومكوناته يعد سوقا واعدة، تعمل تونس على دعم هذا التموقع من خلال مشاريع هيكلية تهدف إلى تطوير القطاع وتعزيز قدراته التنافسية. فعلى سبيل المثال، تسعى المناطق الصناعية المتخصصة إلى ربط الإنتاج بالبحث والتطوير وتشجيع الابتكار، بما يساهم في تحسين القيمة المضافة ورفع مستوى الاندماج في الأسواق الدولية والإفريقية على حد سواء.
وبالنظر إلى خصوصية السوق التونسية، يتضح أن قواعد المنشإ ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل فرصة وتحديا في الوقت نفسه بالنسبة لتونس. فدخول قواعد المنشإ الخاصة بقطاع السيارات ضمن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام القطاع الصناعي، لكنها في المقابل تتطلب استعدادا حقيقيا على مستوى البنية التحتية والسياسات الاقتصادية والقدرة التنافسية، حتى تتمكن تونس من تحويل هذه التحولات إلى مكاسب فعلية داخل السوق الإفريقية المتنامية.
وفق منصة عالمية متخصصة في تتبع أسعار المحروقات: تونس ضمن قائمة الدول الإفريقية ذات الأسعار المنخفضة نسبيا
تشهد أسواق الطاقة العالمية أزمة أسعار متصاعدة في ظل التوترات الجيوسياسية المتفاقمة، خاصة م…












