تونس تقول كلمتها في جنيف : لا للتوطين المبطّن..نعم للحماية الإنسانية العادلة..
أكدت البعثة الدائمة لتونس لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، خلال مشاركتها في أشغال الدورة الخامسة والتسعين للجنة الدائمة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التزام الدولة التونسية الثابت بالمبادئ الكونية لحماية اللاجئين، مع رفضها الصريح لأي شكل من أشكال «التوطين المبطّن» للمهاجرين غير النظاميين. ويتضمن جدول أشغال هذه الدورة، التي بدأت يوم 24 مارس وتنتهي اليوم 26 مارس 2026 عدة محاور من ذلك مناقشة التحديات الإقليمية وبرامج المفوضية والميزانية والتعاون الدولي في مجال اللجوء والهجرة.
و بالعودة لموقف تونس، فإنه يتنزل في إطار النقاش العام حول التحديات الإقليمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حيث تشدّد تونس على التمسّك التام بالمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والسعي إلى توفير ظروف ملائمة للاستقبال المؤقت للاجئين ضمن مقاربة شاملة تركز على معالجة الأسباب الجذرية لظاهرة اللجوء كما تدعو إلى تعزيز التضامن الدولي وتقاسم الأعباء والعمل الجادّ على تسهيل العودة الطوعية للاجئين إلى أوطانهم أو تسهيل عملية توطينهم في دول قادرة اقتصادياً واجتماعياً على تأمين العيش الكريم لهذه الفئة.
كما يأتي هذا الموقف المبدئي لبلادنا في سياق مشاركتها النشيطة في المنتديات الدولية المتعلقة بالهجرة واللجوء وهو يعكس موقفاً رسمياً ثابتاً للدولة التونسية منذ سنوات يقوم على رفض تحويل تونس إلى «منطقة عبور» أو «مكان توطين» للمهاجرين غير النظاميين، مع الالتزام الإنساني بحماية من يستحقون صفة اللاجئ.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن سياسة تونس في إدارة هذا الملف تقوم على أركان وثوابت أساسية من ذلك نذكر الحماية الإنسانية بتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي تحفظ كرامة هؤلاء، وبالتوازي مع ذلك تعمل على مكافحة الهجرة غير النظامية وأخيراً العمل على تأمين وتعزيز العودة الطوعية.
ومعلوم أنه ومنذ عام 2021 تصاعدت الضغوط الدولية على تونس للحد من تدفقات المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط مقابل دعم مالي ولوجستي. غير أن تونس رفضت أن تكون حارسًا لحدود أوروبا أو مكاناً لتوطين دائم، وأكد الرئيس قيس سعيّد مرارًا وتكرارًا أن تونس لن تقبل بأن تصبح مستودعا للمهاجرين.
وفي السنوات الأخيرة ركزت الدولة على برنامج العودة الطوعية بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة ويُذكر أن هذا البرنامج سجل أرقاما قياسية، حيث بلغ عدد حالات العودة الطوعية 8853 حالة في عام 2025، بزيادة قدرها 28 بالمائة مقارنة بعام 2024 كما أعادت تونس آلاف المهاجرين غير النظاميين (معظمهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء) خلال عام 2025 عبر رحلات مدعومة وشهدت عمليات إخلاء مخيمات عشوائية في صفاقس ومناطق أخرى مع تشديد المراقبة البحرية لإحباط عمليات العبور.
جدير بالذكر أنّ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية في تونس بلغ حوالي 7812 شخص (وفق تقرير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين حسب بيانات سبتمبر 2025 )معظمهم من دول تشهد نزاعات مسلحة أو عنفا واسع النطاق مثل السودان وسوريا ودول إفريقية أخرى ويظل هذا العدد محدودا مقارنة بدول الجوار وتوفر لهم بلادنا حماية مؤقتة وخدمات أساسية بالتعاون مع المفوضية و الهلال الأحمر التونسي وغيرهما من الأطراف.
أما المهاجرون غير النظاميين (غير اللاجئين المعترف بهم) فمعظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء وهم يواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، من ذلك صعوبة الاندماج في سوق الشغل بالإضافة إلى الظروف المعيشية الصعبة في المخيمات العشوائية.
في ذات الوقت الذي يشهد فيه العالم أزمات نزوح غير مسبوقة (أكثر من 120 مليون نازح ولاجئ عالمياً حسب المفوضية) ومع ذلك، تؤكد تونس أن مقاربتها ذات البُعديْن، تركز على الكرامة الإنسانية أولا والحفاظ على السيادة الوطنية ثانيا ومازالت تونس متمسكة بالدعوة إلى معالجة الأسباب الجذرية للهجرة مثل الفقر والنزاعات بدلاً من التركيز على الإجراءات الأمنية فقط، مع مطالبة الدول المتقدمة بتحمل مسؤولياتها في تقاسم الأعباء وتسهيل المسارات القانونية للهجرة وهو مايعكسه بيان البعثة التونسية في جنيف من صورة واضحة عن سياسة خارجية متوازنة تقوم على التزام إنساني دولي من جهة، و على حماية المصالح الوطنية والسيادة من جهة أخرى. ومع استمرار أشغال الدورة الخامسة والتسعين للجنة الدائمة، ينتظر أن تتواصل جهود البعثة التونسية لتعزيز هذا الموقف، خاصة في ظل التحديات العالمية و الإقليمية المتزايدة في شمال إفريقيا والبحر المتوسط.
العلاقات التونسية الصينية شراكة استراتيجية شاملة وآفاق أرحب للتّعاون
في إطار دعم الروابط التونسية الصينية وتأكيد التزام البلدين بتعزيز التعاون المشترك في ظل ما…









