2026-03-26

خطوات متقدمة لكسب رهان التمويل والنجاعة الشركات الأهلية أنموذج للتنمية وخلق الثروة..

كشفت وزارة التكوين المهني والتشغيل أن عدد الشركات الأهلية المموّلة على موارد الصندوق الوطني للتشغيل بلغ 62 شركة إلى حدود ديسمبر 2025، مع إسناد 39 إشعار تمويل، وذلك في ردّها على سؤال كتابي للنائبة هالة جاب الله. ورغم هذا التطور النسبي، فإنّ مؤشرات التمويل، خاصة من قبل القطاع البنكي، تطرح أكثر من علامة استفهام حول قدرة هذا النموذج على الإقلاع وتحقيق الأهداف المرسومة له.

ففي مقابل تدخل الصندوق الوطني للتشغيل، بقيت مساهمة البنوك ضعيفة للغاية، حيث لم يتجاوز عدد الشركات الأهلية التي تم تمويلها عبر الموارد الذاتية للمؤسسات البنكية شركة واحدة فقط على المستوى الوطني، وكانت في ولاية القيروان، وهو ما يعكس استمرار تحفظ المنظومة المالية تجاه هذا النموذج الجديد.

وتبرز المعطيات الرسمية وجود تفاوت جغرافي واضح في توزيع الشركات الأهلية الممولة، حيث شمل التمويل 19 ولاية، مقابل غياب كلي في 5 ولايات وهي تونس وأريانة ومنوبة وسوسة وقابس، وهو ما يطرح تساؤلات حول عدالة توزيع المشاريع ومدى استهداف المناطق ذات الأولوية.

وتصدّرت ولاية سيدي بوزيد قائمة الولايات المنتفعة بتمويل 10 شركات أهلية، تليها القيروان بـ7 شركات، ثم مدنين بـ6 شركات، في حين توزعت بقية المشاريع على ولايات أخرى بنسب متفاوتة، ما يعكس توجهاً نحو دعم الجهات الداخلية، لكنه يظل دون مستوى التوازن المطلوب.

أنموذج اقتصادي بديل… بطموحات كبيرة

ويُعدّ أنموذج الشركات الأهلية من أبرز الخيارات التي راهنت عليها الدولة التونسية خلال السنوات الأخيرة، في إطار البحث عن صيغ اقتصادية بديلة تقوم على المبادرة الجماعية والتشاركية، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف الاستثمار وارتفاع نسب البطالة.

ويهدف هذا النموذج إلى تمكين المواطنين، خاصة في الجهات، من بعث مشاريع اقتصادية مشتركة في مجالات متنوعة، مثل الفلاحة، والصناعات التقليدية، والخدمات، بما يعزز الإدماج الاقتصادي ويخلق ديناميكية تنموية محلية. كما يُفترض أن تساهم هذه الشركات في تثمين الموارد الطبيعية والبشرية المتوفرة محليًا، وتقليص الفوارق الجهوية.

غير أن مسار الشركات الأهلية لم يخلُ من الصعوبات، وعلى رأسها إشكالية التمويل، حيث لا يزال هذا النموذج يواجه صعوبات في كسب ثقة البنوك، التي تتعامل بحذر مع هذا الصنف من المشاريع، نظرًا لخصوصيته من حيث الحوكمة والضمانات.

كما تُطرح تحديات أخرى تتعلق بالإطار القانوني والتنظيمي، وغياب الخبرة لدى بعض القائمين على هذه الشركات، إضافة إلى صعوبات في النفاذ إلى الأسواق والتأطير الفني، وهو ما قد يحدّ من استمرارية هذه المشاريع وقدرتها على تحقيق مردودية اقتصادية فعلية.

بين الطموح والواقع

وقد ظهر مفهوم الشركات الأهلية في سياق البحث عن نماذج اقتصادية بديلة بعد 2021، تقوم على مقاربة تشاركية تهدف إلى إدماج المواطنين،في الدورة الاقتصادية. وقد تم تكريس هذا التوجه قانونيًا عبر إصدار المرسوم عدد 15 لسنة 2022، الذي أرسى الإطار القانوني لهذا الصنف من الشركات، باعتبارها كيانات اقتصادية ذات صبغة جماعية، يُساهم في رأسمالها عدد من المواطنين بهدف إنجاز مشاريع محلية ذات بعد تنموي.

وجاء هذا التوجه استجابة لجملة من التحديات الهيكلية، على غرار ارتفاع البطالة، وضعف الاستثمار الخاص في المناطق الداخلية، واتساع الفوارق الجهوية، حيث راهنت الدولة على هذا النموذج كآلية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز التنمية من القاعدة.

رغم الحماس الذي رافق إطلاق هذا النموذج، شهد مسار الشركات الأهلية انطلاقة تدريجية وبطيئة نسبيًا، سواء على مستوى التأسيس أو التمويل. فإلى جانب التعقيدات الإدارية، واجهت هذه الشركات صعوبات في النفاذ إلى التمويل، خاصة من قبل البنوك التي أبدت تحفظًا واضحًا، بسبب غياب الضمانات الكافية وطبيعة الحوكمة الجماعية.

كما برزت تحديات أخرى، من بينها ضعف التأطير الفني، ونقص الخبرة في التصرف لدى بعض المبادرين، إضافة إلى غياب منظومة مرافقة متكاملة تضمن استمرارية هذه المشاريع وتطورها.

ورغم هذه الصعوبات، ما يزال هذا الأنموذج يحظى بدعم سياسي، باعتباره أحد الخيارات المطروحة لإعادة بناء النسيج الاقتصادي على أسس أكثر عدالة وتشاركية. غير أن نجاحه يظل مرتبطًا بمدى تطوير الإطار القانوني، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير آليات تمويل ومرافقة أكثر نجاعة.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى دفع هذا الأنموذج كرافعة للتنمية المحلية، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة آليات الدعم والمرافقة، خاصة عبر تعزيز الشراكة مع القطاع البنكي، وتوفير ضمانات تمويلية، إلى جانب تطوير برامج التكوين والإحاطة.

كما يظلّ تحقيق النجاح رهين وضع استراتيجية واضحة تضمن استدامة هذه الشركات، وتقييم أدائها بشكل دوري، بما يسمح بتعديل السياسات وتفادي تحوّلها إلى مجرد تجربة ظرفية.

‫شاهد أيضًا‬

قبلي : إدراج المدينة القديمة والقرية الحرفية ضمن المسالك السياحية

أدرج الديوان الوطني للسياحة، مدينة قبلي القديمة والقرية الحرفية بتلمين ضمن المسالك السياحي…