2026-03-25

بين ضغط الشبكات وتحديات الاستدامة المياه المعالجة وتحلية البحر من بين الحلول..

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وتزايد الطلب على الموارد المائية، تواجه تونس تحديات مركبة في إدارة قطاع المياه، تتجاوز مسألة التزود اليومي إلى رهانات استراتيجية تتعلق بالأمن المائي في أفق العقود القادمة.

أرقام الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد) تكشف حجم الضغط على البنية التحتية، حيث يبلغ طول شبكة توزيع المياه الصالحة للشرب نحو 59 ألف كيلومتر، يستفيد منها حوالي 3.3 مليون مشترك، غير أن الإشكال لا يكمن فقط في الامتداد، بل في تقادم جزء هام منها، إذ أن 20 بالمائة من هذه الشبكة يتجاوز عمرها 50 سنة.

هذا الواقع يطرح تحديات جدية تتعلق بنجاعة التوزيع ونسب ضياع المياه، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى كل قطرة ماء. فالشبكات القديمة غالبا ما تكون عرضة للتسربات والأعطاب، ما يفاقم من أزمة الموارد ويزيد الضغط على منظومة الإنتاج والتوزيع.

في المقابل، تشير الدراسات الاستشرافية للمياه في أفق سنة 2050 إلى معطى أكثر خطورة: غياب التوازن بين العرض والطلب إذا لم يتم اعتماد حلول بديلة بشكل عاجل. ومن أبرز هذه الحلول، التوسع في استعمال المياه المعالجة الثلاثية، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يعد أكبر مستهلك للمياه.

ورغم أن تونس تستعمل حاليا نحو 290 مليون متر مكعب من المياه المعالجة على المستوى الوطني، فإن نصيب القطاع الفلاحي لا يتجاوز 15 مليون متر مكعب، وهو رقم يوصف بالضعيف مقارنة بالإمكانات المتاحة والحاجة المتزايدة. وتشير التقديرات المحينة إلى ضرورة استعمال ما لا يقل عن 70 بالمائة من هذه المياه في الري لضمان نوع من التوازن المستقبلي، وهو ما يستدعي مراجعة السياسات الحالية وتسريع وتيرة الاستثمار في هذا المجال.

في هذا السياق، يبرز برنامج ممول من الجانب الإيطالي يهدف إلى توظيف المياه المعالجة في الري، على أن ينطلق في استغلال الأراضي الدولية بمساحة تقدر بـ11 ألفا و500 هكتار موزعة بين ولايات تونس وسوسة وصفاقس. هذا المشروع يمثل خطوة عملية نحو إعادة توجيه الموارد غير التقليدية لتخفيف الضغط على المياه الجوفية والسدود.

ولا تقف الجهود عند هذا الحد، إذ تعمل تونس على تعزيز شراكاتها الدولية، من خلال التعاون مع البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية، في إطار دعم مشاريع مائية كبرى، من بينها تحلية مياه البحر، التي أصبحت خيارا استراتيجيا خاصة في المدن الساحلية. وقد تم بالفعل التوجه نحو هذا الحل في عدد من المناطق على غرار قابس وجربة وصفاقس وسوسة، في محاولة لتأمين التزود بالمياه الصالحة للشرب وتقليص التبعية للموارد التقليدية.

غير أن هذه الحلول، رغم أهميتها، تظل رهينة جملة من التحديات، من بينها كلفة الاستثمار المرتفعة، وصعوبات الصيانة، إضافة إلى الحاجة إلى تغيير الذهنيات، خاصة في ما يتعلق بقبول استعمال المياه المعالجة في الفلاحة.

وتبدو تونس اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما تسريع الإصلاحات وتبني مقاربة شاملة تقوم على تنويع الموارد وتحسين الحوكمة، أو مواجهة أزمة مائية قد تتفاقم حدتها في السنوات القادمة. وبين هذا وذاك، يظل الرهان الأكبر هو حسن إدارة ما هو متاح، قبل البحث عن موارد جديدة.

‫شاهد أيضًا‬

بالشراكة بين تونس والجزائر: تونس تحتضن ملتقى علميا لتعزيز الإبتكار الرقمي

تستعد مدينة الحمامات لاحتضان فعاليات الدورة الثانية للملتقى الدولي حول التقنيات المبتكرة و…