العلاقات التونسية الصينية شراكة استراتيجية شاملة وآفاق أرحب للتّعاون
في إطار دعم الروابط التونسية الصينية وتأكيد التزام البلدين بتعزيز التعاون المشترك في ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة، استقبل كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، السيد محمد بن عيّاد سفير جمهورية الصين الشعبية لدى تونس السيد وان لي حيث سلّم السفير الصيني رسالة تهنئة موجهة من الرئيس شي جين بينغ إلى رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، بمناسبة الذكرى الـ70 لعيد الاستقلال الوطني.
وتم خلال هذا اللقاء استعراض تطور العلاقات الثنائية بين البلدين، ومتابعة تنفيذ الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تجمع البلدين مع التركيز على إنجاز المشاريع التنموية الكبرى التي تشكل عماد هذه الشراكة وتجسدها على أرض الواقع.
يُبرِزُ هذا اللقاء حرص بلادنا على تعزيز هذه الشراكة في شتى المجالات إذ تجدر الإشارة إلى الزخم الذي شهدته العلاقات بين البلدين منذ زيارة رئيس الجمهورية إلى بكين ومشاركة رئيس الحكومة في منتدى التعاون الصيني الإفريقي وهو مايتجلّى بوضوح في عديد المشاريع كقطاعات الصحة و النقل و البنية التحتية والتكنولوجيا وهو ما يعتبر نموذجاً حياً للتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة دون شروط سياسية خارجية.
في المقابل،يحمل هذا اللقاء بين طيّاته التزاما صينيا بالاستعداد الكامل لمواصلة دعم تونس في مسيرتها التنموية،و حرصا على تعميق تلك الشراكة الإستراتيجية الممضاة بين البلدين ويظهر ذلك من خلال نقاش الجانبين سبل تعزيز الإطار القانوني للعلاقات الاقتصادية والتجارية والذي من شأنه أن يساهم بتسهيل نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الصينية الواعدة في عدة مجالات كالزراعة و الصناعات الغذائية والتكنولوجيا كما تطرق اللقاء إلى الاستحقاقات متعددة الأطراف ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها منتدى التعاون الصيني الإفريقي والقمة الوزارية لمنتدى التعاون العربي الصيني المقرر انعقادهما في بكين وهو ما يعكس أهمية هذه المواعيد لدى الطرفين بما أنها ستشكل فرصة ثمينة لتعزيز التنسيق الإقليمي والدولي في إطار «مجتمع المصير المشترك» الذي يدعو إليه الرئيس الصيني في خطاباته في العديد من المناسبات.
و بالعودة إلى طبيعة العلاقات التونسية الصينية، وبالتأمل في مساراتها، يمكن القول أنها تُعدُّ نموذجاً للتعاون المتوازن منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين سنة 1964 وقد شهدت استقرارا تُوِّجَ بإبرام شراكة إستراتيجية شاملة أُعلن عنها رسمياً في الفترة الأخيرة حيث تتميز هذه الشراكة بدعم الصين لمشاريع حيوية في تونس، من بينها تطوير البنية التحتية، تعزيز القطاع الصحي، والتعاون في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز الشواهد الملموسة على نجاح هذه الشراكة مشروع جسر بنزرت الجديد، أحد أكبر مشاريع البنية التحتية قيد الإنجاز في تونس و يُنفّذُ هذا الجسر من قبل شركة صينية ويمتد على مسافة 2.1 كيلومتر بارتفاع 56 متراً فوق سطح البحر مما سيسمح بمرور جميع أنواع البواخر وقد بلغت قيمة العقد حوالي 610 مليون دينار وتتقدم أشغال الإنجاز فيه بوتيرة جيدة، مع توقعات باستغلاله في منتصف 2027. سيساهم هذا المشروع في تعزيز الربط اللوجستي بين الطريق السيارة عدد 4 ومدينة بنزرت وهو ما سيسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي والتجاري وسيخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للعديد من المواطنين.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز مشروع محطة الطاقة الكهروضوئية بالسبيخة في ولاية القيروان كدليل آخر على التزام الصين بدعم التنمية في تونس حيث انطلقت الأشغال في هذه المحطة التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 100 ميغاوات،ومن المنتظر أن تساهم المحطة في تحقيق أهداف تونس الوطنية للطاقة المتجددة وتقلّل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزّز الأمن الطاقي في البلاد.
كما تشمل الشراكة أيضاً المجال الصحي من خلال مشروع مدينة الأغالبة الطبية بالقيروان والذي يُعدّ مشروعاً استراتيجياً ضخماً يهدف إلى تعزيز الرعاية الصحية في المناطق الداخلية، بالإضافة إلى مشاريع أخرى قيد الدراسة أو التنفيذ مثل تهيئة الملعب الأولمبي بالمنزه، وتوريد حافلات النقل العمومي صينية الصنع لتجديد الأسطول الوطني.
ويأتي هذا اللقاء في سياقين سياسي و اقتصادي دوليين يتّسمان بتحولات كبرى، حيث يمثل الشريك الصيني فرصة حقيقية لتنويع الشركاء الاقتصاديين لتونس وهو ما يعني تقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية كما يعكس التزام تونس بسياسة خارجية متوازنة تركز على بناء شراكات استراتيجية متعددة الأبعاد، مع الحرص على أن تكون هذه العلاقات مفيدة للجانبين مع الحفاظ الكامل على السيادة الوطنية واستقلالية القرار الوطني.
كما يُشارُ إلى أن هذا اللقاء يعكس الروح البنّاءة التي تميز العلاقات التونسية الصينية، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجالات عدّة أخرى اقتصاديا وتجاريا وثقافيا وسياحيا.
ومما لا شكّ فيه، ومع اقتراب الاستحقاقات الكبرى، من المتوقع أن تشهد الشراكة دفعة قوية ستساهم في دعم التنمية وتعزز القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي.
و بعزم الجانبين و حرصهما على مواصلة التنسيق والتشاور في ما يخدم مصالح البلدين فإن هذه الشراكة الإستراتيجية ستصبح لا مجرد تعاون اقتصادي فحسب بل رؤية مشتركة لبناء مستقبل مزدهر يعتمد على الندية والاحترام المتبادل، ويجسد نموذجاً ناجحاً للتعاون بين دول الجنوب في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
السكن الاجتماعي في تونس: تكريس للحق الدستوري وتعزيز للعدالة الاجتماعية
في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون منها على وجه الخصوص ارتفاع أسعار مواد الب…









