السكن الاجتماعي في تونس: تكريس للحق الدستوري وتعزيز للعدالة الاجتماعية
في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون منها على وجه الخصوص ارتفاع أسعار مواد البناء والكلفة الباهظة لليد العاملة، تبرز إستراتيجية الدولة في مجال السكن الاجتماعي كبارقة أمل حقيقية، من ورائها، تسعى الدولة المُلزمة دستوريًا بضمان السكن اللائق كحق أساسي إلى تنفيذ سياسة متكاملة تجمع بين تحسين المساكن القائمة وإنجاز وحدات سكنية جديدة تلبي احتياجات الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
فقد أكدت وزارة التجهيز والإسكان، في ردّها على سؤال كتابي تقدم به أحد النواب حول مراجعة منح تحسين المسكن لذوي الدخل المحدود والعائلات المعوزة، أنها ستعمل على الترفيع في منح تحسين المسكن لذوي الدخل المحدود في حدود الإعتمادات المتوفرة لدى صندوق تحسين السكن، هذا التوجه ورغم أنه يحمل بين طياته اعترافا وإقرارا ضمنيا بأن الزيادات السابقة ما تزال غير كافية أمام الارتفاع المتواصل في تكاليف البناء إلاّ أنّ ذلك يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح وبالعودة لهذا الإجراء فإن المنحة المخصصة تُصرف على قسطين متساويين حسب تقدم الأشغال ولمدة صلوحية محددة، وتُمنح للحالات الاجتماعية المستحقة (دخل أقل من الحد الأدنى المضمون) بشرط عدم استفادة سابقة ومطابقة الأشغال للشروط المحددة وهو ما سيسمح بتحسين المساكن القائمة وبالتالي يعتبر خطوة عملية وسريعة لآلاف العائلات، خاصة في المناطق الريفية والأحياء الشعبية.
كما أن هذه الإستراتيجية تتجاوز تحسين المساكن القديمة بل تشمل أيضا إنجاز مساكن جديدة إذ خُصّص سابقا مجلس وزاري مضيّق لمناقشة سياسة الدولة الاجتماعية في مجال السكن، حيث أكدت فيه رئيسة الحكومة أن الهدف الأساسي هو تجسيد الحق الدستوري في السكن اللائق وإرساء العدالة الاجتماعية وتعزيز كرامة المواطن وقدم وزير التجهيز والإسكان خطة واضحة قوامها يرتكز على إنجاز آلاف المساكن الاجتماعية خلال مخطط التنمية القادم، بكلفة كبيرة، مع الانطلاق الفوري في دفعة أولى موزعة على عدة ولايات وتعتمد هذه الخطة على آلية رئيسية تتمثل في الكراء المملّك (التسويغ الذي ينتهي بالبيع) أو البيع بالتقسيط، مع توفير الأراضي الصالحة للبناء بقيمة رمزية للباعثين العموميين مثل شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية والشركة الوطنية العقارية كما تشمل الخطة تهيئة مقاسم اجتماعية بالإضافة إلى إطلاق منصة رقمية لتسجيل الطلبات بمعايير شفافة وموضوعية، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية باستعادة الدور الاجتماعي للمؤسسات العمومية.
إن الملاحظة الأبرز لهذه الخطوات المزدوجة في جميع الاتجاهات أنها تصبّ في خانة خدمة المواطن وتعيد للدولة دورها في تأمين احتياجات المواطنين الرئيسية لعل أدناها تحسين المساكن القائمة وإنجاز وحدات جديدة وهو ما يمثل نقلة نوعية نحو تجويد طبيعة تدخلات الدولة من جهة كما أنها تجسيد لاستعادتها لدورها الاجتماعي بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الخطة وكما تخفف من حدة الفقر السكني، فإنها تقلل من ظاهرة البناء العشوائي، وتعزز الاستقرار العائلي والاجتماعي كما ستساهم اقتصاديًا في تحريك قطاع البناء وستسمح بخلق فرص عمل جديدة وبالتالي ينعكس كل ذلك إيجاباً على التنمية الشاملة.
ومع ذلك، يبقى النجاح مرهونًا بتوفير الاعتمادات الكافية، ومكافحة التضخم في أسعار مواد البناء، وضمان الشفافية التامة في توزيع الدعم ليصل إلى مستحقيه.
كما أن إستراتيجية السكن الاجتماعي التي تُرسيها الدولة اليوم ليست مجرد برنامج فني بل إنها تجسيد عملي لمفهوم الدولة الاجتماعية الذي يطمح إليه التونسيون. فمع كل محنة تُرفع وكل مسكن يُنجز، تتقدم تونس نحو مجتمع أكثر عدلاً وكرامة وماهو مطلوب اليوم هو تسريع التنفيذ وهو ما سيعيد للشراكة بين الدولة والمواطن توهّجها وبريقها، حتى يصبح السكن اللائق حقيقة ملموسة لكل عائلة تونسية. فالسكن هو عنوان الاستقرار الاجتماعي وضمانة لمقومات العيش الكريم.
مع اقتراب عيد الفطر المبارك: دعم الفئات محدودة الدخل من أوّل اهتمامات الدولة الاجتماعية
يحلّ علينا عيد الفطر المبارك بعد أيام معدودة وهي مناسبة نحيي فيها دولة وشعبا قيم التآزر وا…










