الحرب في أسبوعها الرابع: الاقتصاد التونسي تحت ضغط أسعار الطاقة
مع دخول الحرب في الشرق الأوسط أسبوعها الرابع، لم تعد تداعياتها مقتصرة على الجبهات العسكرية أو التوازنات الجيوسياسية، بل بدأت تنعكس بشكل متسارع على اقتصادات الدول، وفي مقدمتها الاقتصاد التونسي الذي يظل شديد الارتباط بتقلبات الأسواق العالمية، خاصة في مجال الطاقة.
فمنذ اندلاع المواجهات، شهدت أسعار النفط ارتفاعًا لافتًا تجاوز سقف التوقعات التي بُنيت عليها ميزانية الدولة لسنة 2026، حيث اعتمدت تونس فرضية سعر في حدود 60 دولارًا للبرميل، في حين تخطت الأسعار عتبة 100 دولار. هذا الفارق لا يُعدّ مجرد رقم تقني، بل يترجم مباشرة إلى ضغط إضافي على المالية العمومية، إذ تُقدّر كلفة كل دولار إضافي بعشرات ملايين الدنانير، ما ينذر بتوسّع عجز الميزانية وصعوبة الحفاظ على التوازنات المالية المرسومة.
ولا تقف التداعيات عند حدود المالية العمومية، بل تمتدّ إلى المستوى المعيشي للمواطن، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى موجة تضخمية تشمل مختلف القطاعات، من النقل إلى الإنتاج وصولًا إلى أسعار المواد الأساسية. وهو ما يهدد بمزيد تآكل القدرة الشرائية، خاصة في ظل هشاشة الطبقة الوسطى وتواصل الضغوط الاجتماعية.
كما يُنتظر أن يتفاقم العجز التجاري، في ظل اعتماد تونس المتزايد على توريد المواد الطاقية، وهو ما يجعلها عرضة مباشرة لتقلبات الأسعار العالمية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تتراوح السيناريوهات المحتملة بين استمرار التوتر في مستوى محدود، بما يسمح بعودة تدريجية للاستقرار، أو تصاعد الأزمة نحو صدمة نفطية أعمق، في حال تعطل الإمدادات أو توسّع رقعة المواجهات، وهو السيناريو الذي قد يضع الاقتصاد التونسي أمام تحديات غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، حذّر الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي في تصريحات إعلامية من أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى نحو 113 دولار للبرميل، مقابل فرضية 63 دولارًا في ميزانية 2026، سيكلف تونس حوالي 8 مليارات دينار إضافية، ما يضعها أمام ثلاثة خيارات صعبة: الترفيع في أسعار المحروقات، أو اللجوء إلى البنك المركزي للاقتراض، أو تأجيل المشاريع والانتدابات والزيادات في الأجور.
ودعا في المقابل إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، أبرزها إحداث خلية أزمة وإقرار قانون مالية تكميلي للتعامل مع تداعيات الأزمة.
في المقابل، أكد كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي، جاهزية وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، بالتنسيق مع وزارة المالية، من الناحيتين المالية واللوجستية لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار النفط عالميًا في ظل الحرب على إيران.
وأوضح، خلال جلسة استماع بلجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب يوم 4 مارس 2026، أن الوزارة عملت على تأمين التزود بالطاقة عبر إمضاء أغلب عقود النفط الخام مع أذربيجان، إلى جانب التعاقد أساسًا مع الجزائر لتوريد غاز البترول المسال، مع الاعتماد جزئيًا على مزودين أوروبيين.
في السياق ذاته، برزت خلال الأيام الأخيرة فرضية اللجوء إلى قانون مالية تكميلي لمواكبة تداعيات الحرب على الاقتصاد التونسي. وفي هذا الإطار، أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بمجلس نواب الشعب، رياض جعيدان، في تصريح لـ«الصحافة اليوم»، أن دقة المرحلة تفرض إرساء لجنة تفكير صلب الحكومة تتولى متابعة تطورات الوضع الدولي والاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة، داعيًا في الآن ذاته إلى انعقاد مجلس الأمن القومي لوضع برنامج وخطة طوارئ للتفاعل مع المستجدات العالمية.
وأشار جعيدان إلى أن أسعار النفط تجاوزت حاليًا مستوى 113 دولار للبرميل، في حين تم اعتماد سعر مرجعي في حدود 63.3 دولارًا عند المصادقة على ميزانية الدولة لسنة 2026 خلال شهر ديسمبر الماضي، وهو ما يعني تجاوز الفرضيات المعتمدة بأكثر من 40 دولارًا. واعتبر أن استمرار هذا المستوى السعري إلى نهاية السنة قد يؤدي إلى خسائر تُقدّر بنحو 6.4 مليار دينار، أي ما يعادل تقريبًا حجم نفقات التنمية، الأمر الذي قد يفرض على الحكومة العودة إلى البرلمان عبر قانون مالية تكميلي، بل وحتى اتخاذ قرارات صعبة ذات كلفة اقتصادية واجتماعية.
وشدد محدثنا على أن مواصلة ارتفاع أسعار الطاقة ستكون لها انعكاسات مباشرة على التوازنات الاقتصادية، من خلال تغذية التضخم، وتوسيع العجز التجاري، والتأثير على ميزان المدفوعات، خاصة في ظل احتمال تراجع تحويلات التونسيين بالخارج، سواء المقيمين بدول الخليج أو بأوروبا.
كما أوضح أنه، وعلى إثر اجتماع عقدته لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة مؤخرًا مع وزير الشؤون الخارجية، من المنتظر دعوة كل من وزيري المالية والاقتصاد إلى البرلمان في الفترة القريبة القادمة، وذلك في إطار جلسات مشتركة مع مختلف اللجان، لبحث تداعيات الحرب على الاقتصاد الوطني وتدارس سبل التعامل معها.
وذكر جعيدان أنه في حال تواصل الحرب وتصاعد تداعياتها، قد يصبح من الضروري إعداد قانون مالية تكميلي لتأمين موارد إضافية للدولة، مع ضرورة تبني مقاربة استشرافية واستباقية قادرة على الحد من الانعكاسات الاقتصادية المحتملة.
قريبا انطلاق الإصلاحات الهيكلية لشركة إسمنت بنزرت إنقاذ المؤسسات العمومية خيار إستراتيجي للدولة
تتجه الحكومة التونسية إلى تسريع إصلاح المؤسسات العمومية ذات الطابع الاستراتيجي، وفي مقدمته…




