عن الجدل الذي أعادته وفاة الفيلسوف الألماني الكبير “يورغن هابرماس”: عودة إلى مواقف الفلاسفة الغربيين من الصراع الفلسطيني الصهيوني
أثار الإعلان منذ أيام قليلة عن وفاة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929 /2026) موجة واسعة من النقاش في الأوساط الفكرية العربية و الغربية، ليس فقط بسبب مكانته بوصفه أحد أهم فلاسفة القرن العشرين، بل أيضًا لأن اسمه ارتبط في السنوات الأخيرة بجدل سياسي وأخلاقي حاد حول الموقف من الحرب في غزة. فقد كان هابرماس من بين المثقفين الألمان الذين وقعوا بيانًا يدين هجوم السابع من أكتوبر 2023، وهو الحدث الذي يُعرف باسم هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
هذا البيان، الذي شدّد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، أثار ردود فعل واسعة في العالم الأكاديمي، إذ رأى بعض النقاد أن موقف هابرماس لم يعكس التعقيد الأخلاقي الكامل للصراع ولا حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون. وهكذا أعادت وفاته فتح نقاش قديم حول علاقة الفكر الفلسفي الغربي بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحول الأسباب التي تجعل قطاعات من النخب الفكرية الغربية تميل إلى دعم إسرائيل أو التعاطف معها.
إرث المحرقة والوعي الأخلاقي الأوروبي
لفهم مواقف كثير من الفلاسفة الأوروبيين، لا بد من العودة إلى الذاكرة التاريخية التي تشكّلت بعد الهولوكوست. فقد تركت الإبادة التي ارتكبها النظام النازي بحق اليهود أثرًا عميقًا في الضمير الأوروبي، وأصبحت مسألة معاداة السامية موضوعًا مركزيًا في النقاش الأخلاقي والسياسي بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، كان هابرماس نفسه يمثل نموذجًا لما يسمى في الفكر الألماني “الوطنية الدستورية”، أي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بوصفها أساسًا للشرعية السياسية. ومن هذا المنطلق رأى أن حماية اليهود ومناهضة معاداة السامية جزء من المسؤولية الأخلاقية الألمانية. لذلك جاء توقيعه على بيان إدانة هجوم السابع من أكتوبر منسجمًا مع هذا التصور.لكن هذا الموقف أثار أيضًا سؤالًا مهمًا وهو هل يمكن أن يتحول الشعور بالذنب التاريخي إلى عامل يحدّ من النقد الموجّه إلى سياسات إسرائيل؟
وفي الواقع، لم يكن موقف الفلاسفة الغربيين موحدًا إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فالمشهد الفكري شهد منذ عقود انقسامًا واضحًا. فمن جهة، هناك مفكرون رأوا في إسرائيل مشروعًا سياسيًا نشأ في سياق تاريخي مأساوي، ويجب الدفاع عن وجوده وأمنه. ويمكن أن نذكر في هذا السياق الفيلسوفة حنة آرندت، التي رغم انتقاداتها لبعض سياسات الحركة الصهيونية، اعتبرت أن مأساة اليهود الأوروبيين تفسر جزئيًا نشوء الدولة اليهودية.
ومن جهة أخرى، برز مفكرون انتقدوا بشدة سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين. ومن أبرزهم المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، الذي قدّم تحليلًا مؤثرًا للصراع في إطار نقد الاستعمار الحديث. فقد رأى “سعيد” أن القضية الفلسطينية لا يمكن فهمها إلا بوصفها صراعًا على الأرض والحقوق التاريخية.
كما انضم إلى هذا التيار عدد من الفلاسفة المعاصرين الذين دعوا إلى إعادة النظر في الخطاب الغربي حول الشرق الأوسط، ومنهم “جوديث بتلر” التي دافعت عن حقوق الفلسطينيين وانتقدت استخدام تهمة معاداة السامية لإسكات النقاش السياسي.
إسرائيل كجزء من العالم الغربي
وإلى جانب الاعتبارات التاريخية، لعبت عوامل ثقافية وسياسية دورًا مهمًا في تفسير مواقف بعض المفكرين الغربيين. فإسرائيل تُقدَّم غالبًا في الخطاب السياسي الغربي بوصفها دولة ديمقراطية ليبرالية في منطقة مضطربة.
وقد جعل هذا التصور بعض الفلاسفة ينظرون إلى الصراع من زاوية الدفاع عن نظام سياسي يعتبرونه قريبًا من القيم الغربية الحديثة، مثل التعددية السياسية وحرية التعبير.غير أن هذه الصورة تعرضت في السنوات الأخيرة لانتقادات متزايدة، خصوصًا مع توسع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية وتصاعد تقارير المنظمات الحقوقية حول أوضاع الفلسطينيين.
ولقد أظهرت ردود الفعل على بيان هابرماس أن النقاش داخل الغرب نفسه أصبح أكثر انقسامًا مما كان عليه في الماضي. فالكثير من الأكاديميين والطلاب في الجامعات الأوروبية والأمريكية عبّروا عن تضامنهم مع الفلسطينيين ونددوا بالحرب في غزة.كما ظهرت قراءات فلسفية جديدة للصراع تركز على مفاهيم مثل الاستعمار الاستيطاني والعدالة التاريخية. وهذه المقاربات تسعى إلى تجاوز الرؤية التقليدية التي اختزلت الصراع طويلًا في مسألة أمنية.
الفلسفة أمام اختبار الواقع
إن الجدل الذي أثارته مواقف “هابرماس” يكشف في النهاية عن التوتر القائم بين المبادئ الفلسفية المجردة والوقائع السياسية المعقدة. فالفلاسفة الذين دافعوا عن القيم الكونية لحقوق الإنسان يجدون أنفسهم أحيانًا أمام صراعات يصعب فيها تطبيق هذه المبادئ بطريقة متوازنة.
ولهذا يمكن القول إن النقاش حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي داخل الفكر الغربي لم يُحسم بعد. بل ربما أصبح اليوم أكثر حيوية وتعقيدًا، مع بروز أجيال جديدة من الباحثين الذين يحاولون إعادة التفكير في العلاقة بين الذاكرة التاريخية والعدالة السياسية.
وهكذا نفهم كيف أنّ وفاة هابرماس لم تكن مجرد حدث ثقافي يخص تاريخ الفلسفة المعاصرة، بل تحولت أيضًا إلى مناسبة أعادت طرح سؤال قديم وهو كيف يمكن للفكر الغربي أن يوفّق بين ذاكرة الماضي المأساوي لليهود وحقوق شعب آخر ما زال يعيش تجربة الاقتلاع والاحتلال؟
كيف نجح المخرجون الإيرانيون في تحويل القيود إلى أدوات جمالية
منذ اندلاع الثورة الإيرانية، لم تكن السينما في إيران مجرّد فنّ سردي…


