2026-03-17

عن الجدل الذي أعادته وفاة الفيلسوف الألماني الكبير “يورغن هابرماس”: عودة إلى مواقف الفلاسفة الغربيين من الصراع الفلسطيني الصهيوني

أثار‭ ‬الإعلان‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬عن‭ ‬وفاة‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭ (‬1929‭  /‬2026‭) ‬موجة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الفكرية‭ ‬العربية‭ ‬و‭ ‬الغربية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬مكانته‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬فلاسفة‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬لأن‭ ‬اسمه‭ ‬ارتبط‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بجدل‭ ‬سياسي‭ ‬وأخلاقي‭ ‬حاد‭ ‬حول‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هابرماس‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المثقفين‭ ‬الألمان‭ ‬الذين‭ ‬وقعوا‭ ‬بيانًا‭ ‬يدين‭ ‬هجوم‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬وهو‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬يُعرف‭ ‬باسم‭ ‬هجوم‭ ‬حماس‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭.

هذا‭ ‬البيان،‭ ‬الذي‭ ‬شدّد‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬أثار‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬إذ‭ ‬رأى‭ ‬بعض‭ ‬النقاد‭ ‬أن‭ ‬موقف‭ ‬هابرماس‭ ‬لم‭ ‬يعكس‭ ‬التعقيد‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الكامل‭ ‬للصراع‭ ‬ولا‭ ‬حجم‭ ‬المأساة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الفلسطينيون‭. ‬وهكذا‭ ‬أعادت‭ ‬وفاته‭ ‬فتح‭ ‬نقاش‭ ‬قديم‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬الغربي‭ ‬بالصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وحول‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬الفكرية‭ ‬الغربية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬التعاطف‭ ‬معها‭.‬

إرث‭ ‬المحرقة‭ ‬والوعي‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الأوروبي

لفهم‭ ‬مواقف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تشكّلت‭ ‬بعد‭ ‬الهولوكوست‭. ‬فقد‭ ‬تركت‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭ ‬بحق‭ ‬اليهود‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وأصبحت‭ ‬مسألة‭ ‬معاداة‭ ‬السامية‭ ‬موضوعًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والسياسي‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬كان‭ ‬هابرماس‭ ‬نفسه‭ ‬يمثل‭ ‬نموذجًا‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الألماني‭ “‬الوطنية‭ ‬الدستورية‭”‬،‭ ‬أي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفها‭ ‬أساسًا‭ ‬للشرعية‭ ‬السياسية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬اليهود‭ ‬ومناهضة‭ ‬معاداة‭ ‬السامية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الألمانية‭. ‬لذلك‭ ‬جاء‭ ‬توقيعه‭ ‬على‭ ‬بيان‭ ‬إدانة‭ ‬هجوم‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬منسجمًا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭.‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬أثار‭ ‬أيضًا‭ ‬سؤالًا‭ ‬مهمًا‭ ‬وهو‭  ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬التاريخي‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الموجّه‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬إسرائيل؟

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موقف‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الغربيين‭ ‬موحدًا‭ ‬إزاء‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬فالمشهد‭ ‬الفكري‭ ‬شهد‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬انقسامًا‭ ‬واضحًا‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬هناك‭ ‬مفكرون‭ ‬رأوا‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬مشروعًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تاريخي‭ ‬مأساوي،‭ ‬ويجب‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬وجوده‭ ‬وأمنه‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬الفيلسوفة‭ ‬حنة‭ ‬آرندت،‭ ‬التي‭ ‬رغم‭ ‬انتقاداتها‭ ‬لبعض‭ ‬سياسات‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬مأساة‭ ‬اليهود‭ ‬الأوروبيين‭ ‬تفسر‭ ‬جزئيًا‭ ‬نشوء‭ ‬الدولة‭ ‬اليهودية‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬برز‭ ‬مفكرون‭ ‬انتقدوا‭ ‬بشدة‭ ‬سياسات‭ ‬إسرائيل‭ ‬تجاه‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬ومن‭ ‬أبرزهم‭ ‬المفكر‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الأمريكي‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد،‭ ‬الذي‭ ‬قدّم‭ ‬تحليلًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬للصراع‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نقد‭ ‬الاستعمار‭ ‬الحديث‭. ‬فقد‭ ‬رأى‭ “‬سعيد‭” ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمها‭ ‬إلا‭ ‬بوصفها‭ ‬صراعًا‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والحقوق‭ ‬التاريخية‭.‬

كما‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬المعاصرين‭ ‬الذين‭ ‬دعوا‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الغربي‭ ‬حول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ومنهم‭ “‬جوديث‭ ‬بتلر‭” ‬التي‭ ‬دافعت‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وانتقدت‭ ‬استخدام‭ ‬تهمة‭ ‬معاداة‭ ‬السامية‭ ‬لإسكات‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭.‬

إسرائيل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الغربي

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التاريخية،‭ ‬لعبت‭ ‬عوامل‭ ‬ثقافية‭ ‬وسياسية‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬مواقف‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬الغربيين‭. ‬فإسرائيل‭ ‬تُقدَّم‭ ‬غالبًا‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الغربي‭ ‬بوصفها‭ ‬دولة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬ليبرالية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مضطربة‭.‬

وقد‭ ‬جعل‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬بعض‭ ‬الفلاسفة‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬يعتبرونه‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الغربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬مثل‭ ‬التعددية‭ ‬السياسية‭ ‬وحرية‭ ‬التعبير‭.‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬تعرضت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬لانتقادات‭ ‬متزايدة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الاستيطان‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتصاعد‭ ‬تقارير‭ ‬المنظمات‭ ‬الحقوقية‭ ‬حول‭ ‬أوضاع‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

ولقد‭ ‬أظهرت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬على‭ ‬بيان‭ ‬هابرماس‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬داخل‭ ‬الغرب‭ ‬نفسه‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬انقسامًا‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الأكاديميين‭ ‬والطلاب‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬والأمريكية‭ ‬عبّروا‭ ‬عن‭ ‬تضامنهم‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ونددوا‭ ‬بالحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬كما‭ ‬ظهرت‭ ‬قراءات‭ ‬فلسفية‭ ‬جديدة‭ ‬للصراع‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬مثل‭ ‬الاستعمار‭ ‬الاستيطاني‭ ‬والعدالة‭ ‬التاريخية‭. ‬وهذه‭ ‬المقاربات‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬الرؤية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬اختزلت‭ ‬الصراع‭ ‬طويلًا‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬أمنية‭.‬

الفلسفة‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬الواقع

إن‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬أثارته‭ ‬مواقف‭ “‬هابرماس‭” ‬يكشف‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬عن‭ ‬التوتر‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬المبادئ‭ ‬الفلسفية‭ ‬المجردة‭ ‬والوقائع‭ ‬السياسية‭ ‬المعقدة‭. ‬فالفلاسفة‭ ‬الذين‭ ‬دافعوا‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الكونية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬أحيانًا‭ ‬أمام‭ ‬صراعات‭ ‬يصعب‭ ‬فيها‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬بطريقة‭ ‬متوازنة‭.‬

ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬داخل‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭ ‬لم‭ ‬يُحسم‭ ‬بعد‭. ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬حيوية‭ ‬وتعقيدًا،‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬يحاولون‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬والعدالة‭ ‬السياسية‭.‬

وهكذا‭ ‬نفهم‭ ‬كيف‭ ‬أنّ‭ ‬وفاة‭ ‬هابرماس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬ثقافي‭ ‬يخص‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬أعادت‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬قديم‭ ‬وهو‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للفكر‭ ‬الغربي‭ ‬أن‭ ‬يوفّق‭ ‬بين‭ ‬ذاكرة‭ ‬الماضي‭ ‬المأساوي‭ ‬لليهود‭ ‬وحقوق‭ ‬شعب‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يعيش‭ ‬تجربة‭ ‬الاقتلاع‭ ‬والاحتلال؟

‫شاهد أيضًا‬

كيف نجح المخرجون الإيرانيون في تحويل القيود إلى أدوات جمالية

منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬مجرّد‭ ‬فنّ‭ ‬سردي‭…