الإحتكار في المواسم : حين تتحوّل السوق إلى امتحان أخلاقي
مع اقتراب نهاية شهر رمضان والاستعداد للاحتفال بعيد الفطر، يتكرر المشهد ذاته الذي بات مألوفاً في الأسواق التونسية. ترتفع وتيرة الاستهلاك، وتزداد حركة البيع والشراء، لكن في المقابل تظهر أيضاً ظاهرة أخرى لا تقل حضوراً: الاحتكار. وكأن بعض التجار تعلّموا قراءة التقويم الاقتصادي للمواسم، فصار لكل موسم سلعه التي تُجمع وتُخزَّن وتُعرض لاحقاً بسعر مضاعف، في لحظة يعرف فيها المحتكر أن المواطن لا يملك ترف الانتظار.
رمضان، مثل غيره من المناسبات الكبرى، يكشف هذه المفارقة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن وفرة الإنتاج وتوفر المواد، يشتكي المواطن من ندرتها في الأسواق أو من ارتفاع أسعارها بشكل مفاجئ. يكفي أن تعلن السلطات تسقيف سعر مادة معينة حتى تختفي من الرفوف، ثم تعود لاحقاً في السوق بأسعار أعلى أو عبر مسالك غير رسمية.
لقد أعلنت وزارة التجارة هذا العام جملة من الإجراءات لضبط السوق، من بينها تحديد سقف أسعار بعض المواد الأساسية، على غرار الدواجن التي تم تحديد سعرها في حدود 5300 مليم للكيلوغرام عند البيع للمذابح و7500 مليم عند البيع للمستهلك، في إطار خطة للحد من المضاربة خلال رمضان.
لكن التجربة اليومية في الأسواق تقول إن القرارات الإدارية، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لضبط مسالك التجارة حين تختلط فيها المصالح وتتعدد حلقاتها.
فالدجاج، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى البديل الغذائي الأول لكثير من الأسر بسبب غلاء اللحوم الحمراء، أصبح بدوره عرضة لتقلبات الأسعار والمضاربة. وتشير معطيات قطاع الدواجن إلى أن الإنتاج في تونس يبلغ نحو 14 ألف طن شهرياً، وهو رقم يفترض أن يضمن وفرة العرض.
لكن المشكلة لا تكمن دائماً في الإنتاج، بل في مسالك التوزيع، حيث يمكن لحلقة واحدة في سلسلة الوسطاء أن تحوّل وفرة الإنتاج إلى ندرة في السوق.
هنا يظهر الاحتكار في صورته الأكثر بساطة وخطورة في آن واحد: شراء كميات كبيرة من سلعة معينة في لحظة انخفاض السعر أو وفرتها، ثم حجبها عن السوق إلى أن يشتد الطلب عليها. وعندما يعود المنتوج إلى الظهور، يكون قد تحوّل إلى سلعة نادرة، فتُفرض عليه أسعار جديدة لا علاقة لها بالكلفة الحقيقية.
هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً في مواسم الاستهلاك المكثف. فقبل العيد ترتفع أسعار لحم الضأن، وفي الصيف يشتد الطلب على بعض الغلال، وفي رمضان تظهر المضاربة في مواد مثل الزبدة والموز والدواجن. وكأن السوق تحوّل إلى تقويم موسمي يعرف فيه المحتكرون جيداً متى يشترون ومتى يخفون ومتى يبيعون.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: لماذا يحدث الاحتكار؟ بل أيضاً: ماذا بقي من أدوات الرقابة التي يفترض أن تحمي السوق والمستهلك؟
الدولة لا تقف مكتوفة الأيدي. ففرق المراقبة الاقتصادية تنفذ آلاف الزيارات التفتيشية كل عام، وتتم إحالة المخالفين على القضاء، وتصدر القرارات المتعلقة بتحديد الأسعار أو تنظيم مسالك التوزيع. لكن هذه الجهود تصطدم غالباً بواقع معقّد، حيث تتداخل التجارة النظامية مع التجارة الموازية، وتتشابك المصالح بين المنتجين والوسطاء والموزعين.
وفي هذا السياق، لا يمكن تحميل المسؤولية للدولة وحدها. فالمجتمع نفسه جزء من المعادلة. المواطن الذي يشتري سلعة بسعر مضاعف خوفاً من فقدانها يساهم، ولو دون قصد، في تشجيع المحتكر. و التاجر الذي يرفض البيع بالسعر القانوني يجد دائماً من يقبل بالشروط الجديدة لأنه لا يملك بديلاً.
لهذا تبدو المعركة ضد الاحتكار معركة مزدوجة: قانونية وأخلاقية في آن واحد. القانون يمكنه أن يعاقب المخالفين، لكن الأخلاق الاقتصادية للمجتمع هي التي تحدد في النهاية حدود الجشع.
الأسواق ليست مجرد فضاء للبيع والشراء، بل هي أيضاً فضاء للقيم. ففي اللحظات التي يشتد فيها الطلب على السلع الأساسية، يظهر المعدن الحقيقي للتجارة. هناك من يرى في السوق فرصة لخدمة المجتمع، وهناك من يراه فرصة لتحقيق ربح سريع مهما كان الثمن الاجتماعي.
رمضان، الذي يُفترض أن يكون شهراً للتضامن والتكافل، يكشف هذه المفارقة بوضوح. ففي الوقت الذي تتكاثر فيه المبادرات الخيرية وتُفتح موائد الإفطار للفقراء، ينشط في الجهة الأخرى من السوق من يبحث عن الربح السريع ولو على حساب القدرة الشرائية للمواطن.
ربما لا يمكن القضاء على الاحتكار بشكل نهائي، فهو ظاهرة رافقت الأسواق منذ نشأتها الأولى. لكن يمكن الحد منه عبر ثلاث أدوات أساسية: رقابة صارمة وشفافة، وتنظيم أكثر فعالية لمسالك التوزيع، وثقافة مجتمعية ترفض تحويل قوت الناس إلى سلعة للمضاربة.
فالسوق العادلة لا تقوم فقط على القوانين، بل أيضاً على الضمير. وحين يدرك التاجر أن الربح المشروع هو وحده الذي يدوم، يمكن للأسواق أن تستعيد وظيفتها الطبيعية: خدمة المجتمع، لا استغلاله.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً مع كل موسم جديد: هل ستنتصر قواعد السوق العادلة، أم سيظل المحتكرون يتعلّمون من كل موسم كيف يربحون أكثر من جوع الناس وقلقهم؟
تونس ومراكز القارة: حين تتحوّل الجغرافيا إلى نفوذ اقتصادي ورمزي
في عالم السياسة والاقتصاد، لا تُقاس قوة الدول بحجمها الجغرافي وحده، ولا بعدد سكانها فقط، ب…







