مسلسل المطبعة : عندما تغير ضغوط المعيش الاجتماعي مصير الفرد
قدمت التلفزة الوطنية خلال السباق الرمضاني مسلسلا عنوانه المطبعة. وهو من نوعية الدراما الاجتماعية وجسد أدوار البطولة فيه كل من يونس الفالحي و سوسن معالج .
تدور أحداث العمل حول شخصية نجيب ، وهو رجل موهوب في الخط والرسم يعيش ضغوطاً عائلية قاسية، إذ تعاني زوجته من مرض الزهايمر ويتعرض ابنه لأزمة تهدد مستقبله. ومع تصاعد الأزمات يجد نفسه مضطراً إلى اتخاذ قرارات صعبة قد تدفعه إلى خيارات لم يكن يتخيلها من أجل إنقاذ عائلته.
و يقترب هذا المسلسل من الواقع الاجتماعي أكثر من اعتماده على الحبكات الصاخبة، وهو ما يمنحه طابعاً إنسانياً، لكنه في بعض اللحظات يقع في إيقاع بطيء يجعل بعض المشاهد تبدو مطوّلة أكثر من اللازم
ولعل اهم ما يستوقفنا في هذا المسلسل مجموعة من الابعاد أولها ان المطبعة هو من تأليف وإخراج مهدي هميلي في اول تجربة تلفزيونية له وهو المخرج السينمائي المتميز القادم الى الشاشة الصغيرة بعد تجربة سينمائية نجد صداها في هذا المسلسل فرؤيته البصرية والمقترح الجمالي الذي يقدم نابع من لغة سينمائية متأتية من خلفيته في هذا المجال.
وقد بدا ذلك واضحاً في اختيار زوايا التصوير والإضاءة الهادئة، وفي ميل السرد إلى بناء الحالة النفسية للشخصيات أكثر من الاعتماد على الإثارة السريعة. هذه المقاربة تمنح المسلسل طابعاً بصرياً مختلفاً نسبياً عن بعض الدراما التلفزيونية المعتادة.
اما البعد الثاني فهو ملامح القصة التي يتقاطع فيها الإنساني مع الاجتماعي مع طرح سؤال وجودي مهم عن المعايير والأخلاق وعن مسألة التوترات التي تواجه الانسان في معيشه اليومي سواء كانت اقتصادية او اجتماعية والتي قد تقوده أحيانا الى طرق تغير مصيره ومساره الحياتي.
اما البعد الثالث فهو الأداء التمثيلي خاصة لبطلي العمل والذي يتسم بالصدق والقدرة على الاقناع.
فالممثل يونس الفالحي قدّم شخصية مرهقة نفسياً وإنسانياً بنبرة هادئة، دون ان يقع في فخ المبالغة واعتمد في أدائه على التفاصيل الصغيرة المهمة مثل التناقض بين الظاهر والباطن للشخصية والصراع ما بين القلق والتوتر والانكسار الداخلي وما بين التماسك الخارجي.
أما الممثلة فقد تميزت بإحساس مرهف امام الكاميرا و نجحت في تقديم حضور مؤثر، خصوصاً في المشاهد التي تتطلب عمقا نفسيا حيث بدا أداؤها متوازناً وعفويا وبعيدا أيضا عن المبالغة.
إذن يمكن القول إن مسلسل المطبعة يعد تجربة درامية تجتهد من اجل ان تبلغ مرتبة الابداع والاقناع عبر محاولة تجسيد الواقع الاجتماعي بكل ضغوطه وتوترات التي يعيشها الفرد في السياق التونسي الراهن
كل ذلك تم صوغه من خلال ومن خلال حكاية بسيطة في ظاهرها، لكنها تقدح في الذهن أسئلة عميقة حول الحدود التي يمكن أن يصل إليها الإنسان عندما تضيق به الحياة. لكن نقاط ضعف هذا المسلسل تكمن في الإيقاع الدرامي الذي لم يحافظ على نسق التشويق بنفس الدرجة في كل الحلقات خاصة عندما يوغل في تفاصيل يوميات الابطال. وربما لهذا كان يحتاج الى التكثيف حتى يجعل المشاهد شغوفا لمعرفة ما سيحدث. ومع ذلك يظل مسلسل المطبعة دراما اجتماعية عميقة وهادئة وبعيدة عن الاستعراض والاثارة المجانية والمبالغة. .
وفاة يورغن هابرماس : العقل النقدي لأوروبا يطوي صفحة من تاريخه
توفي اليوم الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس عن عمر ناهز 96 عامًا في مدينة شت…








