كيف نجح المخرجون الإيرانيون في تحويل القيود إلى أدوات جمالية
منذ اندلاع الثورة الإيرانية، لم تكن السينما في إيران مجرّد فنّ سردي يروي الحكايات، بل تحوّلت إلى فضاء معقّد للتفاوض الرمزي مع السلطة. فقد أعادت الجمهورية الإسلامية تشكيل المجال الثقافي وفق منظومة رقابية صارمة، إلا أنّ المفارقة تكمن في أنّ هذه القيود نفسها ساهمت في ولادة واحدة من أكثر السينمات ابتكارًا في العالم. ففي قلب هذا النظام الرقابي تشكّلت لغة سينمائية مراوغة، تعتمد الاستعارة والاقتصاد في التعبير، وتُحيل النقد السياسي والاجتماعي إلى مستويات جمالية دقيقة لا تصطدم مباشرة بالسلطة ولكنها تكشف هشاشتها.
مع السنوات الأولى التي تلت الثورة، فرضت الدولة قواعد أخلاقية وثقافية صارمة على الإنتاج السينمائي. وقد أعاد ذلك صياغة شكل الصورة، وخصوصًا ما يتعلّق بتمثيل المرأة والعلاقات الإنسانية. غير أنّ هذه القيود سرعان ما تحوّلت إلى محفّز لابتكار أساليب سردية جديدة، إذ لجأ المخرجون إلى الحكايات البسيطة، والأطفال، والقرى النائية، كمساحات رمزية لإعادة التفكير في المجتمع.
وبرز اسم “عباس كيارستمي” في هذا السّياق الذي مثّل أحد أهم وجوه السينما الإيرانية بعد الثورة ففي فيلمه أين منزل الصديق؟ (1987) تبدو الحكاية بسيطة حيث يظهر طفل يبحث عن بيت صديقه ليعيد له دفترا مدرسيا. لكن هذا المسار البسيط يتحوّل إلى تأمّل في السلطة الرمزية للمؤسسات، وفي معنى المسؤولية الفردية داخل مجتمع شديد الانضباط. وقد رسّخ الرّاحل كيارستمي، لاحقًا، مكانته العالمية بفيلم طعم الكرز (1997)، الذي حاز السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، حيث يطرح سؤال الانتحار بوصفه سؤالًا فلسفيًا حول معنى الحياة في مجتمع مثقل بالقيود.
الواقعية الأخلاقية: السينما كمرآة للمجتمع
إلى جانب كيارستمي، ظهر جيل من المخرجين الذين اختاروا الاقتراب أكثر من الواقع الاجتماعي، ومن بينهم “مجيد مجيدي” الذي قدّم في فيلم أطفال السماء (1997) صورة مؤثرة عن الفقر والبراءة. وعلى الرغم من أنّ مجيدي لا يُعدّ من أكثر المخرجين صدامًا مع النظام، فإنّ أفلامه كشفت، بطريقة إنسانية هادئة، الفوارق الاجتماعية وتصدّعات الحياة اليومية.
لكن التحوّل الأبرز في علاقة السينما الإيرانية بالسلطة جاء مع أعمال “جعفر بناهي”. فمنذ فيلمه الدائرة (2000) بدأ بناهي يقترب من مناطق حساسة في المجتمع الإيراني، خصوصًا ما يتعلّق بوضع المرأة والقيود القانونية والاجتماعية المفروضة عليها. وقد مُنع الفيلم من العرض داخل إيران، غير أنّه حاز تقديرًا عالميًا واسعًا.
وقد تواصل هذا المسار النقدي في أفلام لاحقة مثل تاكسي طهران (2015)، الذي صوّره بناهي سرًا داخل سيارة أجرة يقودها بنفسه في شوارع طهران، في عمل يمزج بين الوثائقي والخيالي ليقدّم صورة ساخرة ومؤلمة عن المجتمع والرقابة في آن واحد. وقد تحوّل هذا الفيلم إلى مثال على قدرة السينما الإيرانية على إنتاج خطاب نقدي حتى تحت أقسى الظروف الرقابية.
وربما تمثّل تجربة محمد رسولوف إحدى أكثر التجارب جرأة في مواجهة السلطة. ففي فيلمه لا وجود للشيطان (2020) يتناول قضية الإعدامات في إيران من خلال أربع حكايات منفصلة تكشف الأثر الأخلاقي والنفسي لعقوبة الموت على الأفراد. وقد فاز الفيلم بالدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي، بينما مُنع رسولوف من مغادرة البلاد لفترة طويلة بسبب مواقفه وأفلامه.
إنّ ما يميّز هذه السينما ليس فقط جرأتها الموضوعية، بل قدرتها على تحويل القيود إلى أدوات جمالية. فالمخرجون الإيرانيون طوروا ما يمكن تسميته زبلاغة الصمتس، حيث يصبح الإيحاء بديلاً عن التصريح، واللقطة الطويلة بديلاً عن الخطاب المباشر. في هذا السياق تبدو السينما الإيرانية أشبه بلعبة شطرنج مع الرقابة حيث الحركة محسوبة، لكنها تحمل معنى عميقًا.
أصغر فرهادي: نقد المجتمع من الداخل
وفي العقدين الأخيرين، برز اسم “أصغر فرهادي” بوصفه أحد أبرز السينمائيين الإيرانيين الذين نجحوا في مخاطبة الجمهور العالمي دون أن يفقدوا جذورهم المحلية. في فيلمه انفصال (2025) ، الحائز على جائزة الأوسكار، يعرض فرهادي قصة طلاق تتحوّل تدريجيًا إلى مرآة لتعقيدات المجتمع الإيراني: الطبقات الاجتماعية، الدين، العدالة، والصدق.
وتتميّز سينما فرهادي بأنّها لا تهاجم النظام مباشرة، لكنها تكشف التوترات الأخلاقية التي يولّدها المجتمع الذي نشأ في ظلّه. ففي عالمه السينمائي، لا توجد شخصيات شريرة أو خيّرة بشكل مطلق، بل أفراد عالقون داخل شبكة معقّدة من القيم والضغوط.
النساء خلف الكاميرا
ومن التحولات اللافتة أيضًا في السينما الإيرانية بروز مخرجات تحدّين القيود الاجتماعية، ومن أبرزهن “سميرة مخملباف” التي قدّمت فيلم السبورة (2000)، حيث تتقاطع الحكاية مع قضايا الحرب والتعليم والهوية. وقد مثّل هذا الفيلم مثالًا على قدرة السينما الإيرانية على الجمع بين الشعرية البصرية والطرح السياسي.
كما أنّ أعمال “رخشان بني اعتماد” قدّمت مقاربة واقعية جريئة لقضايا المرأة والفقر والتحولات الاجتماعية، مؤكدة أنّ السينما يمكن أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم.
مع اشتداد الضغوط السياسية في السنوات الأخيرة، وجد بعض السينمائيين الإيرانيين أنفسهم أمام خيار المنفى. ومع ذلك، ظلّ ارتباطهم بالواقع الإيراني قويًا، إذ تحوّلت أفلامهم إلى شهادات فنية عن بلد يعيش صراعًا دائمًا بين التقاليد والحداثة.
وضمن هذا الأفق يمكن القول إنّ السينما الإيرانية لم تكن يومًا سينما معارضة بالمعنى المباشر، بل سينما تسائل السلطة عبر الإنسان. فهي تطرح الأسئلة الكبرى حول الحرية والعدالة والكرامة، لكنها تفعل ذلك بلغة جمالية متقشفة، تعتمد على التفاصيل اليومية والحكايات الصغيرة.
على سبيل الخاتمة
إنّ تأمّل مسار السينما الإيرانية منذ الثورة الإيرانية يكشف مفارقة لافتة: فكلما اشتدّت الرقابة، ازدادت السينما قدرة على الابتكار. لقد نجح مخرجون مثل عباس كيارستمي وجعفر بناهي ومحمد رسولوف وأصغر فرهادي في تحويل الفيلم إلى فضاء للتأمل الأخلاقي والنقد الاجتماعي، دون الوقوع في فخّ الخطاب المباشر.
وهكذا تبدو السينما الإيرانية اليوم مثالًا فريدًا على قدرة الفنّ على محاورة السلطة دون أن يفقد استقلاله. فهي سينما تعرف كيف تقول الكثير بأقلّ قدر من الكلمات، وكيف تحوّل القيود إلى لغة جمالية تفتح أمام المتفرّج أفقًا للتفكير في الإنسان قبل كلّ شيء.
وداعا نايلة السليني… مسار أكاديمي ومواقف صارمة في مواجهة الأصولية
تُعدّ الدكتورة نايلة السليني التي وافاها الأجل يوم الخميس 12 مارس وا…



