2026-03-15

تونس ومراكز القارة: حين تتحوّل الجغرافيا إلى نفوذ اقتصادي ورمزي

في عالم السياسة والاقتصاد، لا تُقاس قوة الدول بحجمها الجغرافي وحده، ولا بعدد سكانها فقط، بل أيضاً بقدرتها على أن تكون نقطة التقاء.

فالدولة التي تتحول إلى مركز للمؤسسات الإقليمية والدولية، لا تستضيف مباني فحسب، بل تستضيف أفكاراً وشبكات نفوذ وحركة دائمة من الخبرات والفرص. ومن هذه الزاوية يكتسب اختيار تونس لاحتضان مركز التميز الإفريقي للأسواق الشاملة التابع للاتحاد الإفريقي معنى يتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي.

فالقرار، في ظاهره، إداري أو مؤسساتي، لكنه في جوهره اعتراف بمكانة بلد وقدرته على أن يكون منصة قارية للتفكير والتخطيط. تونس لم تُمنح هذا الدور صدفة. لقد جاءت النتيجة بعد منافسة بين عدة دول إفريقية، وبعد تقييم دقيق لملف الترشح، قبل أن تحظى بثقة أغلبية الدول الأعضاء داخل الاتحاد الإفريقي.

هذه الثقة ليست مسألة رمزية فحسب. إنها تعكس صورة بلد استطاع، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي مرّ بها خلال السنوات الأخيرة، أن يحافظ على قدر من الاستقرار المؤسسي وعلى رصيد معتبر من الكفاءات البشرية والخبرات التقنية. فالمراكز القارية لا تبحث فقط عن موقع جغرافي مناسب، بل عن بيئة قادرة على احتضان العمل الفكري والمؤسساتي وإدارته بكفاءة.

المركز الجديد، الذي سينشأ في تونس، سيعمل كمنصة للتفكير والابتكار وتبادل أفضل الممارسات في مجال السياسات والبرامج المرتبطة بالأسواق الشاملة. وهذه عبارة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل مضموناً اقتصادياً واجتماعياً واسعاً. فالأسواق الشاملة تعني في جوهرها اقتصاداً يفتح أبوابه أمام الجميع، ويمنح الفئات الضعيفة فرصاً أفضل للاندماج في الدورة الاقتصادية.

وبهذا المعنى، يصبح المركز جزءاً من الجهود القارية لتحقيق أهداف أجندة إفريقيا 2063 التي تسعى إلى بناء قارة أكثر ازدهاراً وتكاملاً. فالمسألة لا تتعلق فقط بالتفكير النظري، بل أيضاً بتقديم المشورة للحكومات الإفريقية، وتسهيل النفاذ إلى التمويلات، والمساهمة في صياغة سياسات تنموية أكثر شمولاً وعدلاً.

لكن أهمية احتضان تونس لهذا المركز لا تقتصر على الجانب الفكري أو التنموي، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية ودبلوماسية واضحة. فالمؤسسات الدولية والإقليمية، حين تختار مدينة أو بلداً كمقر لها، تخلق حولها حركة دائمة من الاجتماعات والمؤتمرات والبعثات الرسمية والخبراء. وهذا يعني نشاطاً اقتصادياً إضافياً في قطاعات متعددة: النقل، السياحة، الخدمات، والضيافة.

كل مؤتمر يعقد، وكل وفد يصل، وكل دورة تكوينية تُنظم، تخلق دورة اقتصادية صغيرة لكنها متكررة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الحركة إلى عنصر من عناصر الاقتصاد الحضري، كما هو الحال في العديد من المدن التي أصبحت معروفة بكونها عواصم دبلوماسية أو مؤسساتية.

إلى جانب ذلك، يتيح وجود مثل هذه المؤسسات فرصاً إضافية للكفاءات الوطنية. فالمراكز القارية تحتاج إلى خبراء وباحثين وإداريين، وهو ما يفتح الباب أمام الإطارات التونسية للمشاركة في برامج الانتداب والتكوين وتطوير الخبرة. وهنا يتحول المكسب من مجرد حضور رمزي إلى استثمار فعلي في رأس المال البشري.

لكن البعد الأهم ربما يكمن في الرمزية السياسية والدبلوماسية لهذا الاختيار. فالدول، حين تسعى إلى استضافة مقرات المنظمات الدولية أو القارية، تفعل ذلك لأنها تدرك أن المكانة المؤسساتية تتحول مع الوقت إلى نفوذ معنوي. البلد الذي يحتضن مؤسسات التفكير وصناعة السياسات، يصبح جزءاً من الحوار الدائم حول مستقبل المنطقة.

في حالة تونس، يبدو واضحاً أن هناك توجهاً استراتيجياً نحو تعزيز هذا الدور. فاستضافة مركز إفريقي اليوم قد تفتح الباب غداً أمام مؤسسات أخرى إقليمية أو دولية. إنها عملية تراكمية، تقوم على بناء الثقة وتقديم صورة بلد قادر على توفير البيئة المناسبة للعمل المؤسسي الدولي.

ولا ينبغي أن ننسى أن تونس، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها الدبلوماسي، تمتلك مقومات طبيعية للقيام بهذا الدور. فهي تقع عند نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا والفضاء المتوسطي، وتمتلك تقليداً طويلاً من الانفتاح الثقافي والمؤسساتي. هذه العوامل تجعلها مرشحة لأن تكون منصة حوار وتعاون بين فضاءات مختلفة.

صحيح أن الدولة المستضيفة تتحمل بعض الأعباء، مثل توفير مقر للمؤسسة على نفقتها الخاصة، لكن هذه الكلفة تُنظر إليها عادة كاستثمار طويل المدى. فالمردود الاقتصادي والمعنوي الذي تحققه استضافة المؤسسات الدولية غالباً ما يتجاوز بكثير كلفة استضافتها.

في النهاية، يمكن القول إن احتضان تونس لمركز التميز الإفريقي للأسواق الشاملة ليس مجرد حدث إداري في روزنامة العلاقات الدولية، بل خطوة في مسار أوسع تسعى فيه البلاد إلى تعزيز حضورها القاري. إنه تعبير عن طموح بلد يريد أن يكون جزءاً من صناعة مستقبل إفريقيا، لا مجرد متفرج على تحولات القارة.

فالدول، مثل المدن، تكبر أيضاً بالأفكار التي تمرّ عبرها. وحين تتحول تونس إلى ملتقى للمؤسسات القارية، فإنها لا تضيف مبنى جديداً إلى خريطتها، بل تضيف معنى جديداً إلى دورها في القارة الإفريقية.

‫شاهد أيضًا‬

إيقاع العمل في رمضان: يتراجع في انتظار ساعة المغرب

حين يدخل شهر رمضان، لا يتغيّر التقويم فقط، بل يتغيّر إيقاع الحياة بأكمله. كأن البلاد تنتقل…