وداعا نايلة السليني… مسار أكاديمي ومواقف صارمة في مواجهة الأصولية
تُعدّ الدكتورة نايلة السليني التي وافاها الأجل يوم الخميس 12 مارس واحدة من أبرز الأصوات الفكرية والبحثية في تونس المعاصرة في مجال الدراسات الإسلامية ونقد الخطاب الديني. فقد جمعت في مسارها بين العمل الأكاديمي الصارم والانخراط في النقاش العمومي حول قضايا الدين والسياسة والتعليم، وهو ما جعل حضورها مثيراً للجدل في كثير من الأحيان، ومعبّراً في الآن نفسه عن تيار فكري يدعو إلى قراءة تاريخية نقدية للتراث الإسلامي
تنتمي نايلة السليني إلى جيل من الباحثين التونسيين الذين تشكّلت تجربتهم في الجامعات التونسية بعد الاستقلال، حيث برزت أستاذةً جامعية وباحثة في الحضارة الإسلامية، واشتهرت بدراساتها التي تتناول تاريخ الإسلام المبكر والنصوص التراثية قراءة تحليلية تعتمد المنهج ومن أهم اصداراتها الأكاديمية أطروحتها “تاريخية التفسير القرأني والعلاقات الاجتماعية من خلال كتب التفسير” والصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود سنة 2018 .
وقد اشتغلت رحمها الله في الجامعة التونسية، خاصة في المؤسسات الجامعية المرتبطة بجامعة سوسة، حيث أسهمت في تدريس عدد من المواد المتعلقة بتاريخ الإسلام والفكر الديني. ومن خلال عملها الأكاديمي، سعت إلى تكوين جيل من الطلبة الباحثين القادرين على التعامل مع التراث الإسلامي بوصفه مادة تاريخية ومعرفية تحتاج إلى التحقيق والتحليل، لا مجرد موضوع للتقديس أو التكرار..
ويُلاحظ في كتاباتها حضور واضح لمنهج قراءة النصوص في سياقها التاريخي والاجتماعي، وهي مقاربة ترى أن فهم الإسلام في مراحله الأولى يقتضي العودة إلى مصادر الأخبار والفقه والتفسير ومقارنتها ببعضها البعض، لأن كثيراً من الروايات التراثية، في رأيها، تشكّلت داخل صراعات سياسية ومذهبية.
قراءة نقدية للتراث الإسلامي
ولعلّ أحد أبرز ملامح المشروع الفكري لنايلة السليني هو الدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي عبر إعادة النظر في الروايات التاريخية التي أسست لوعي المسلمين بتاريخهم. فهي ترى أن هذه المرحلة التأسيسية ر التي تشمل زمن الوحي والخلافة الراشدة ر ما تزال تحجب كثيراً من الأسئلة التاريخية، وأن تجديد الفكر الديني لا يمكن أن يتحقق دون مواجهة هذا التراث وتحليله نقدياً.
وفي هذا السياق، كتبت عدداً من المقالات والدراسات التي تعيد قراءة بعض الشخصيات والأحداث التاريخية، كما شاركت في النقاشات الفكرية المتعلقة بتاريخ الخلافة والصراعات السياسية التي رافقت نشأة الدولة الإسلامية. و هي تؤكد في كتاباتها أن الروايات التي وصلتنا عن تلك الفترة لا تخلو من تأثيرات مذهبية وسياسية، الأمر الذي يفرض على الباحث مقاربتها بروح نقدية تعتمد المقارنة بين المصادر. وتندرج هذه المقاربة ضمن تيار فكري أوسع في العالم العربي يدعو إلى تحرير الدراسات الإسلامية من القراءة التمجيدية التقليدية، وإدخالها ضمن مناهج العلوم الإنسانية الحديثة.
حضور في النقاش العمومي
لم يقتصر نشاط نايلة السليني على المجال الجامعي، بل امتد إلى المجال العام حيث شاركت في العديد من النقاشات السياسية والثقافية، خصوصاً بعد الثورة التونسية سنة 2011. وقد عُرفت بمواقفها الصريحة من قضايا علاقة الدين بالدولة والتعليم..
ومن أبرز مواقفها اعتراضها على بعض المبادرات التي رأت فيها توظيفاً للدين داخل المؤسسات التربوية، إذ اعتبرت أن تحويل المدارس إلى فضاءات لتلقين ديني غير خاضع للرقابة العلمية قد يفتح الباب أمام انتشار خطاب أيديولوجي داخل المنظومة التعليمية. كما دعت إلى مقاربة جديدة للنص القرآني تقوم على الفهم والتدبر بدل الاقتصار على الحفظ الآلي
كما دخلت في سجالات فكرية مع عدد من الباحثين حول قراءة التاريخ الإسلامي، وكتبت مقالات نقدية في عدد من المنصات الإعلامية والفكرية حول قضايا الإسلام السياسي وتنظيمات الإسلام الحركي
جدل فكري ومواجهات إعلامية
وبسبب هذه المواقف النقدية، وجدت نايلة السليني نفسها في قلب سجالات حادة مع بعض التيارات الدينية والمحافظة. فقد تعرضت في مناسبات عدة لحملات نقدية واتهامات بالتشكيك في الدين أو الإساءة للتراث، وهو ما يعكس طبيعة الصراع الفكري الذي تشهده المجتمعات العربية حول قضايا الدين والحداثة.
وفي إحدى الحوادث الإعلامية التي أثارت جدلاً واسعاً، تحدثت السليني عن تعرضها للتضييق والتهجم اللفظي خلال مشاركتها في برنامج إذاعي، حيث نُعتت بـزالكافرةس أثناء مغادرتها الاستوديو، وهو ما اعتبرته دليلاً على احتدام الاستقطاب حول قضايا الفكر الديني في الفضاء العمومي.
غير أن هذه المواجهات لم تمنعها من مواصلة الكتابة والمشاركة في النقاش العام، بل جعلت حضورها أكثر وضوحاً بوصفها صوتاً فكرياً يطالب بحرية البحث العلمي واستقلال الجامعة عن الضغوط الأيديولوجية
بين الجامعة والفضاء العام
تمثّل تجربة نايلة السليني أنموذجاً للباحث الذي يجمع بين العمل الأكاديمي والانخراط في النقاش المجتمعي. فهي من جهة أستاذة جامعية متخصصة في تاريخ الإسلام، ومن جهة أخرى مثقفة عمومية تسعى إلى طرح أسئلة نقدية حول علاقة الدين بالسياسة والتعليم والهوية
وتعكس مسيرتها جانباً من التحولات الفكرية التي شهدتها تونس خلال العقود الأخيرة، حيث أصبح النقاش حول التراث الديني جزءاً من الجدل الثقافي والسياسي في المجتمع.
عرض في روما ضمن فعاليات مهرجان الفيلم الفرنكفوني الشريط التونسي “ماء العين”: بين الحسّ الواقعي والنبرة الشعرية
استقبلت العاصمة الإيطالية روما مساء السبت 07 مارس عرضًا خاصًا للفيلم…




