2026-03-14

وداعا نايلة السليني… مسار أكاديمي ومواقف صارمة في مواجهة الأصولية

تُعدّ‭ ‬الدكتورة‭ ‬نايلة‭ ‬السليني‭ ‬التي‭ ‬وافاها‭ ‬الأجل‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬12‭ ‬مارس‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأصوات‭ ‬الفكرية‭ ‬والبحثية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬ونقد‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭. ‬فقد‭ ‬جمعت‭ ‬في‭ ‬مسارها‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الصارم‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الدين‭ ‬والسياسة‭ ‬والتعليم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬حضورها‭ ‬مثيراً‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬ومعبّراً‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬تيار‭ ‬فكري‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخية‭ ‬نقدية‭ ‬للتراث‭ ‬الإسلامي

تنتمي‭ ‬نايلة‭ ‬السليني‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬التونسيين‭ ‬الذين‭ ‬تشكّلت‭ ‬تجربتهم‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬التونسية‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬أستاذةً‭ ‬جامعية‭ ‬وباحثة‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬واشتهرت‭ ‬بدراساتها‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام‭ ‬المبكر‭ ‬والنصوص‭ ‬التراثية‭ ‬قراءة‭ ‬تحليلية‭ ‬تعتمد‭ ‬المنهج‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬اصداراتها‭ ‬الأكاديمية‭ ‬أطروحتها‭ “‬تاريخية‭ ‬التفسير‭ ‬القرأني‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتب‭ ‬التفسير‭” ‬والصادرة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسة‭ ‬مؤمنون‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬سنة‭ ‬2018‭ . ‬

وقد‭ ‬اشتغلت‭ ‬رحمها‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجامعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بجامعة‭ ‬سوسة،‭ ‬حيث‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تدريس‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتاريخ‭ ‬الإسلام‭ ‬والفكر‭ ‬الديني‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬عملها‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬الباحثين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭ ‬بوصفه‭ ‬مادة‭ ‬تاريخية‭ ‬ومعرفية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التحقيق‭ ‬والتحليل،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬موضوع‭ ‬للتقديس‭ ‬أو‭ ‬التكرار‭..‬

ويُلاحظ‭ ‬في‭ ‬كتاباتها‭ ‬حضور‭ ‬واضح‭ ‬لمنهج‭ ‬قراءة‭ ‬النصوص‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬التاريخي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وهي‭ ‬مقاربة‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬فهم‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬مراحله‭ ‬الأولى‭ ‬يقتضي‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬الأخبار‭ ‬والفقه‭ ‬والتفسير‭ ‬ومقارنتها‭ ‬ببعضها‭ ‬البعض،‭ ‬لأن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬التراثية،‭ ‬في‭ ‬رأيها،‭ ‬تشكّلت‭ ‬داخل‭ ‬صراعات‭ ‬سياسية‭ ‬ومذهبية‭. 

قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬للتراث‭ ‬الإسلامي

ولعلّ‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬المشروع‭ ‬الفكري‭ ‬لنايلة‭ ‬السليني‭ ‬هو‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تجديد‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الروايات‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬لوعي‭ ‬المسلمين‭ ‬بتاريخهم‭. ‬فهي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬التأسيسية‭ ‬ر‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬زمن‭ ‬الوحي‭ ‬والخلافة‭ ‬الراشدة‭ ‬ر‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تحجب‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬التاريخية،‭ ‬وأن‭ ‬تجديد‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬دون‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬وتحليله‭ ‬نقدياً‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬كتبت‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬والدراسات‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬قراءة‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬والأحداث‭ ‬التاريخية،‭ ‬كما‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الفكرية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتاريخ‭ ‬الخلافة‭ ‬والصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬نشأة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭. ‬و‭ ‬هي‭ ‬تؤكد‭ ‬في‭ ‬كتاباتها‭ ‬أن‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬وصلتنا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬تأثيرات‭ ‬مذهبية‭ ‬وسياسية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الباحث‭ ‬مقاربتها‭ ‬بروح‭ ‬نقدية‭ ‬تعتمد‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬المصادر‭. ‬وتندرج‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬ضمن‭ ‬تيار‭ ‬فكري‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬الدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬القراءة‭ ‬التمجيدية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وإدخالها‭ ‬ضمن‭ ‬مناهج‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الحديثة‭.‬

حضور‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي

لم‭ ‬يقتصر‭ ‬نشاط‭ ‬نايلة‭ ‬السليني‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الجامعي،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬حيث‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النقاشات‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬التونسية‭ ‬سنة‭ ‬2011‭. ‬وقد‭ ‬عُرفت‭ ‬بمواقفها‭ ‬الصريحة‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬علاقة‭ ‬الدين‭ ‬بالدولة‭ ‬والتعليم‭..‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬مواقفها‭ ‬اعتراضها‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المبادرات‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬فيها‭ ‬توظيفاً‭ ‬للدين‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية،‭ ‬إذ‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬تحويل‭ ‬المدارس‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬لتلقين‭ ‬ديني‭ ‬غير‭ ‬خاضع‭ ‬للرقابة‭ ‬العلمية‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬انتشار‭ ‬خطاب‭ ‬أيديولوجي‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭. ‬كما‭ ‬دعت‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬جديدة‭ ‬للنص‭ ‬القرآني‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والتدبر‭ ‬بدل‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬الحفظ‭ ‬الآلي‭ ‬

كما‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬سجالات‭ ‬فكرية‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬حول‭ ‬قراءة‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وكتبت‭ ‬مقالات‭ ‬نقدية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المنصات‭ ‬الإعلامية‭ ‬والفكرية‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬وتنظيمات‭ ‬الإسلام‭ ‬الحركي

جدل‭ ‬فكري‭ ‬ومواجهات‭ ‬إعلامية

وبسبب‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬النقدية،‭ ‬وجدت‭ ‬نايلة‭ ‬السليني‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬سجالات‭ ‬حادة‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬التيارات‭ ‬الدينية‭ ‬والمحافظة‭. ‬فقد‭ ‬تعرضت‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬عدة‭ ‬لحملات‭ ‬نقدية‭ ‬واتهامات‭ ‬بالتشكيك‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الإساءة‭ ‬للتراث،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الدين‭ ‬والحداثة‭.‬

وفي‭ ‬إحدى‭ ‬الحوادث‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً،‭ ‬تحدثت‭ ‬السليني‭ ‬عن‭ ‬تعرضها‭ ‬للتضييق‭ ‬والتهجم‭ ‬اللفظي‭ ‬خلال‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬إذاعي،‭ ‬حيث‭ ‬نُعتت‭ ‬بـزالكافرةس‭ ‬أثناء‭ ‬مغادرتها‭ ‬الاستوديو،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبرته‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬احتدام‭ ‬الاستقطاب‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العمومي‭. ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المواجهات‭ ‬لم‭ ‬تمنعها‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬الكتابة‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬العام،‭ ‬بل‭ ‬جعلت‭ ‬حضورها‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬بوصفها‭ ‬صوتاً‭ ‬فكرياً‭ ‬يطالب‭ ‬بحرية‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬واستقلال‭ ‬الجامعة‭ ‬عن‭ ‬الضغوط‭ ‬الأيديولوجية

بين‭ ‬الجامعة‭ ‬والفضاء‭ ‬العام

تمثّل‭ ‬تجربة‭ ‬نايلة‭ ‬السليني‭ ‬أنموذجاً‭ ‬للباحث‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬المجتمعي‭. ‬فهي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أستاذة‭ ‬جامعية‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الإسلام،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬مثقفة‭ ‬عمومية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬نقدية‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الدين‭ ‬بالسياسة‭ ‬والتعليم‭ ‬والهوية

وتعكس‭ ‬مسيرتها‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬التراث‭ ‬الديني‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬الثقافي‭ ‬والسياسي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

عرض‭ ‬في‭ ‬روما‭ ‬ضمن‭ ‬فعاليات‭ ‬مهرجان‭ ‬الفيلم‭ ‬الفرنكفوني‭ ‬الشريط‭ ‬التونسي‭ “‬ماء‭ ‬العين‭”:‬ بين‭ ‬الحسّ‭ ‬الواقعي‭ ‬والنبرة‭ ‬الشعرية

استقبلت‭  ‬العاصمة‭ ‬الإيطالية‭ ‬روما‭ ‬مساء‭ ‬السبت‭ ‬07‭ ‬مارس‭ ‬عرضًا‭ ‬خاصًا‭ ‬للفيلم‭…