2026-03-14

إيقاع العمل في رمضان: يتراجع في انتظار ساعة المغرب

حين يدخل شهر رمضان، لا يتغيّر التقويم فقط، بل يتغيّر إيقاع الحياة بأكمله. كأن البلاد تنتقل إلى توقيت آخر غير مكتوب، توقيت تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الوقت والعمل، بين الواجب والراحة، بين الإنتاج والانتظار. فالصيام عبادة جليلة، وروحانية عميقة، لكنه في الواقع الاجتماعي يتحوّل أحياناً إلى مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات اليومية بطريقة تجعل العمل آخر ما يُفكّر فيه.

نحن الآن في النصف الثاني من الشهر الكريم. النصف الأول، كما جرت العادة، يكون مشغولاً بما يمكن تسميته «التمهيد الغذائي». البرامج التلفزيونية، والومضات الإشهارية، وأحاديث المجالس، كلها تدور حول المائدة: ماذا سنأكل؟ ما الذي سنشتريه؟ أي قدرٍ جديد للطبخ؟ أي نوع من التوابل؟ كأن رمضان، في أيامه الأولى، يتحوّل إلى مهرجان طويل للمطبخ.

لكن مع مرور الأيام يتغير الموضوع. تختفي الإعلانات عن أواني الطبخ شيئاً فشيئاً، لتحل محلها إعلانات الملابس. فجأة يصبح السؤال: ماذا سنلبس يوم العيد؟ هكذا ينتقل المجتمع، في نصف شهر، من التفكير في القدر إلى التفكير في القميص.

بين هذين العالمين، عالم الطعام وعالم الملابس، يوجد شيء ثالث اسمه العمل. لكنه غالباً ما يقف على الهامش.

في الإدارات، يتبدّل كل شيء تقريباً. التوقيت يتغيّر، والإيقاع يتباطأ، والمكاتب تصبح أكثر هدوءاً من المعتاد. في تونس مثلاً، يُعتمد خلال رمضان توقيت مخفف يمتد عادة من الثامنة صباحاً إلى الثانية والنصف بعد الزوال، أو إلى الواحدة والنصف يوم الجمعة. نظرياً، يبدو هذا التوقيت كافياً لإنجاز قدر محترم من المهام. لكن الواقع يقول إن ساعات العمل لا تُقاس فقط بالمدة، بل أيضاً بالطاقة والتركيز.

الصائم، بطبيعة الحال، قد يشعر بالتعب أو قلة النوم نتيجة تغيّر نمط الحياة. السهر يمتد، وموعد النوم يتأخر، ووجبة السحور تُؤكل في ساعة غير مألوفة. كل ذلك ينعكس على النشاط الذهني والبدني. وهذه ظاهرة طبيعية لا تحتاج إلى تفسير كبير.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا العامل الطبيعي إلى ذريعة عامة. كأن الصيام أصبح تبريراً جاهزاً لتباطؤ كل شيء.

الموظف يصل متأخراً قليلاً لأنّه صائم. الخدمة تتأجل لأن الموظف صائم. المعاملة تنتظر لأن الموظف متعب. هكذا تتكوّن بالتدريج ثقافة صغيرة اسمها «انتظر حتى بعد رمضان».

والمفارقة أن مردودية العمل، في كثير من الأحيان، تكون أصلاً دون المستوى في الأيام العادية. لكن حين يأتي رمضان، يصبح هذا المستوى المنخفض أقل من المعتاد. كأن الكسل وجد أخيراً غطاءً شرعياً.

مع ذلك، سيكون من الظلم تحميل الشهر الكريم مسؤولية ما ليس فيه. فالصيام، في جوهره، دعوة إلى الانضباط لا إلى التراخي. هو تمرين يومي على الصبر، وضبط النفس، واحترام الوقت. ومن هذه الزاوية، يمكن للصائم أن يكون أكثر تركيزاً، لا أقل. لكن المشكلة ليست في الصيام، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه.

في المجتمع أيضاً يتغير الإيقاع العام. قبل موعد الإفطار بساعة تقريباً، تكاد الحركة تختفي. الشوارع تصبح أقل ازدحاماً، والمحال تغلق أبوابها، والناس يعودون إلى بيوتهم وكأن المدينة تستعد لطقس جماعي كبير.

بعد الإفطار، يحدث العكس تماماً. تستيقظ الحياة دفعة واحدة. تمتلئ المقاهي، وتزدحم المطاعم، وتنتعش أسواق الملابس التي يرخص لها ان تفتح في النصف الثاني من الشهر. الليل يصبح وقت الحركة الحقيقي. أما النهار، فيتحول إلى فترة انتظار طويلة.

حتى الرياضة لا تسلم من هذا التبدل. المباريات تقل، أو تُبرمج في أوقات متأخرة. اللاعبون أنفسهم يشتكون أحياناً من اللعب في ساعات الصيام. وهكذا يعاد ترتيب الجدول اليومي كله وفق ساعة الإفطار.

في المقابل، يركّز نشاط الدولة، خلال هذا الشهر، على مسألة أساسية: لقمة المواطن. الحكومة تراقب الأسعار، وتؤكد على وفرة المواد الغذائية، وتكرر خطاب التضامن الاجتماعي. وهي قضايا مشروعة تماماً في شهر تتضاعف فيه حاجات الأسر.

لكن تبقى قيمة العمل هي المسألة التي تحتاج إلى تذكير دائم.

العمل ليس نشاطاً موسمياً يتوقف حين نشاء. هو قيمة أخلاقية قبل أن يكون واجباً وظيفياً. المجتمع الذي يتسامح مع الكسل لفترة طويلة، يجد نفسه يدفع الثمن لاحقاً في الاقتصاد والخدمات والتنمية.

رمضان، في حقيقته، لا يدعو إلى الكسل. على العكس تماماً. هو شهر تدريب على الإرادة. من يستطيع أن يمتنع عن الطعام والشراب ساعات طويلة، يستطيع أيضاً أن ينظم وقته وأن ينجز عمله.

لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: لماذا تقل مردودية العمل في رمضان؟ بل: لماذا نسمح لأنفسنا بأن نجعل الشهر الكريم مناسبة لتبرير ما لا يُبرَّر؟

يبقى رمضان، في النهاية، شهراً له نكهته الخاصة. فيه طقوس دينية جميلة، ولحظات تضامن إنساني، وأجواء اجتماعية مميزة. لكنه أيضاً شهر يكشف الكثير عن علاقتنا بالوقت والعمل.

فإذا نجحنا في التوفيق بين الصيام والإنتاجية، نكون قد فهمنا روح الشهر. أما إذا تحول إلى موسم للكسل المؤقت، فإن المشكلة ليست في رمضان، بل فينا نحن.

‫شاهد أيضًا‬

تطوير مجالات التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية للفترة 2026-2029 شــراكــات تـصـنـع الـغــد

في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات الاقتصادية، لم تعد التنمية شأناً داخلياً م…