2026-03-13

تطوير مجالات التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية للفترة 2026-2029 شــراكــات تـصـنـع الـغــد

في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات الاقتصادية، لم تعد التنمية شأناً داخلياً محضاً يمكن للدول أن تخوضه وحدها. لقد أصبحت الشراكة الاقتصادية أحد مفاتيح التقدم، وأداة ضرورية لتمويل المشاريع الكبرى، وتبادل الخبرات، وتحريك عجلة الاستثمار. وفي هذا السياق يكتسب التعاون بين تونس ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية أهمية خاصة، ليس فقط من حيث التمويل، بل أيضاً من حيث الرؤية المشتركة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على التكيّف مع تحولات العصر.

اللقاء الذي جمع كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي وائل شوشان بوفد من البنك الإسلامي للتنمية يندرج في إطار إعداد الوثيقة الإستراتيجية للتعاون بين تونس والبنك للفترة 2029-2026. لكن وراء هذا الموعد البروتوكولي الظاهر، توجد أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الاقتصاد الوطني، وبالخيارات التنموية التي تسعى البلاد إلى ترسيخها في السنوات القادمة.

تونس، مثل كثير من الدول النامية، تواجه تحديات اقتصادية مركبة: الحاجة إلى تمويل المشاريع الكبرى، تحديث البنية التحتية، دعم المؤسسات العمومية، وتسريع التحول الطاقي بما يخفف الضغط على الموارد التقليدية ويعزز الأمن الطاقي. وهذه كلها ملفات تحتاج إلى موارد مالية كبيرة وخبرات تقنية متقدمة، وهو ما يجعل التعاون مع المؤسسات المالية الدولية والإقليمية خياراً استراتيجياً لا مجرد خيار ظرفي.

في هذا الإطار، يشكل البنك الإسلامي للتنمية شريكاً مميزاً. فهو ليس مجرد مؤسسة تمويلية تقليدية، بل منصة تعاون بين دول الجنوب، تقوم على تبادل التجارب وتوفير الدعم الفني والمالي للمشاريع ذات الأثر التنموي الواسع. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الشراكة جنوب-جنوب، التي تعني أن البلدان النامية لا تنتظر الحلول من الخارج البعيد فقط، بل تبني أيضاً شبكات تضامن اقتصادي في ما بينها.

المشاريع التي تم استعراضها خلال اللقاء تعكس بوضوح هذا التوجه. فهي تشمل مؤسسات إستراتيجية مثل الشركة التونسية للكهرباء والغاز، والشركة الوطنية لعجين الحلفاء والورق، والشركة التونسية لصناعة الحديد الفولاذ، والشركة التونسية لصناعات التكرير. وهذه المؤسسات ليست مجرد شركات إنتاجية عادية، بل هي جزء من البنية الاقتصادية الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني في مجالات الطاقة والصناعة والمواد الأولية.

إعادة تأهيل هذه المؤسسات أو تطويرها يعني، في جوهره، تعزيز القدرة الإنتاجية للبلاد، وتحسين مردودية القطاع العمومي، وخلق فرص جديدة للنمو. فالمؤسسة العمومية، حين تُدار بكفاءة وتُدعم بالاستثمار المناسب، يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية. أما حين تُترك دون تحديث أو إصلاح، فإنها تصبح عبءا مالياً وإدارياً.

من هنا تبرز أهمية ما أكده المسؤولون الحكوميون من أن برامج إعادة هيكلة المؤسسات العمومية تمثل إحدى أولويات العمل الحكومي. فالإصلاح الاقتصادي لا يعني بالضرورة التخلي عن هذه المؤسسات، بل يعني إعادة تنظيمها وتمكينها من الأدوات التي تجعلها أكثر قدرة على المنافسة والإنتاج.

التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية يمكن أن يلعب دوراً محورياً في هذا المسار. فإلى جانب التمويل، يوفر البنك خبرة فنية في إدارة المشاريع الكبرى، وفي وضع آليات الحوكمة والشفافية، وفي تطوير البنية التحتية للطاقة والصناعة. وهذه عناصر لا تقل أهمية عن التمويل نفسه.

ثم إن التركيز على قطاعي الطاقة والطاقات المتجددة ينسجم مع التحولات العالمية الجارية. العالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد منخفض الكربون، حيث تصبح الطاقات النظيفة خياراً استراتيجياً لا مفر منه. بالنسبة لتونس، التي تمتلك إمكانات مهمة في مجال الطاقة الشمسية والرياح، فإن الاستثمار في هذا المجال يمكن أن يخفف من التبعية الطاقية ويخلق في الوقت نفسه قطاعات اقتصادية جديدة.

وإذا كانت البنية التحتية هي عصب الاقتصاد الحديث، فإن تحديثها يظل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار وتحسين جودة الخدمات. فالمصانع تحتاج إلى طاقة مستقرة، والموانئ تحتاج إلى تجهيزات متطورة، والقطاع الصناعي يحتاج إلى مواد أولية متوفرة بكلفة معقولة. كل هذه العناصر تتقاطع في النهاية في نقطة واحدة: الاستثمار في البنية الاقتصادية الأساسية.

إن مثل هذه الشراكات لا تقدم حلولاً سحرية فورية، لكنها تفتح آفاقاً واقعية لمعالجة التحديات الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد. فهي تمنح الدولة هامشاً أوسع للتحرك، وتوفر للمؤسسات الوطنية فرصاً للتطوير، وتخلق بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين.

وفي النهاية، فإن التنمية ليست مجرد أرقام في ميزانية أو مشاريع على الورق. إنها عملية تراكمية تبنى خطوة بعد خطوة، عبر سياسات مدروسة وشراكات متينة. وكل اتفاق تعاون، وكل مشروع استثماري، هو لبنة إضافية في بناء اقتصاد أكثر صلابة وقدرة على مواجهة المستقبل.

ولعل الرسالة الأهم في مثل هذه اللقاءات هي أن الاقتصاد لا يتحرك وحده. إنه يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى رؤية إستراتيجية، وإلى شركاء يؤمنون بأن الاستثمار في التنمية هو استثمار في الاستقرار والازدهار معاً. وفي عالم اليوم، لم يعد النجاح الاقتصادي حكراً على دولة بعينها، بل هو ثمرة تعاون واسع تتقاطع فيه المصالح والخبرات والآمال.

‫شاهد أيضًا‬

حين يصبح المستقبل مشروعاً : نحو الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول مستقبل الكوكب، لم يعد الحديث عن البيئة ترفاً فكرياً أو خطاب…