2026-03-13

مسرحية”09″ لمعز القديري في عرضين متتاليين في قاعة الرّيو بالعاصمة: حين يتحوّل المسرح إلى غرفة تحليل نفسي

تم‭ ‬عرض‭ ‬مسرحية‭ ‬ا09ب‭ ‬للمخرج‭ ‬التونسي‭ ‬معزّ‭ ‬القديري‭ ‬امس‭  ‬الخميس‭ ‬كما‭ ‬تعرض‭ ‬اليوم‭ ‬الجمعة‭  ‬على‭ ‬ركح‭ ‬قاعة‭ ‬الريو‭ ‬بالعاصمة،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬مسرحية‭ ‬تجمع‭ ‬على‭ ‬الركح‭ ‬ثلاثة‭ ‬ممثلين‭ ‬هم‭ ‬مريم‭ ‬بن‭ ‬حميدة،‭ ‬مروان‭ ‬الميساوي،‭ ‬وهيثم‭ ‬المومني‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالأداء‭ ‬التمثيلي‭ ‬بل‭ ‬يشارك‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬النصّ‭. ‬و‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬فريقه‭ ‬الفني،‭ ‬بل‭ ‬يتعلّق‭ ‬أساساً‭ ‬بطبيعته‭ ‬الجمالية‭ ‬والفكرية‭ ‬التي‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬مفاهيم‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬وجعلها‭ ‬مادّة‭ ‬درامية‭ ‬حيّة‭ ‬وهي‭ ‬مغامرة‭ ‬محفوفة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬خصوصا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التلقّي‭.‬

منذ‭ ‬عنوانها‭ ‬المقتضب،‭ ‬توحي‭ ‬ا09ب‭ ‬بأنّنا‭ ‬إزاء‭ ‬علامة‭ ‬أو‭ ‬رقم‭ ‬يختزل‭ ‬دلالة‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬يرمز‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬ذهنية‭ ‬أو‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬تتطلّب‭ ‬فكّ‭ ‬شيفرتها‭. ‬فالعنوان‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬معنى‭ ‬جاهزاً،‭ ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬التأويل،‭ ‬وكأنّ‭ ‬العرض‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬متاهة‭ ‬نفسية،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الذاكرة‭ ‬والصدمة‭ ‬والرغبة‭ ‬والخوف‭. ‬وهنا‭ ‬بالتحديد‭ ‬تتشكّل‭ ‬علاقة‭ ‬العرض‭ ‬بمجال‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬علاج‭ ‬رمزي،‭ ‬تتكشّف‭ ‬فيه‭ ‬طبقات‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬عبر‭ ‬الحوار‭ ‬والتمثيل‭ ‬والصراع‭.‬

حوارات‭ ‬صادمة

ومعلوم‭ ‬أنّه‭ ‬في‭ ‬تقاليد‭ ‬المسرح‭ ‬الحديث،‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬توظيف‭ ‬مفاهيم‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬فتحت‭ ‬كتابات‭ ‬سيغموند‭ ‬فرويد‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬فهم‭ ‬جديد‭ ‬للإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬كائناً‭ ‬تحكمه‭ ‬دوافع‭ ‬لا‭ ‬واعية‭ ‬وصراعات‭ ‬داخلية‭. ‬وقد‭ ‬استثمر‭ ‬المسرح‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬ليحوّل‭ ‬الركح‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬للذات‭ ‬الممزّقة‭ ‬بين‭ ‬الرغبات‭ ‬والقيود،‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬وما‭ ‬يُكبت‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬تجربة‭ ‬معزّ‭ ‬القديري‭ ‬بوصفها‭ ‬امتداداً‭ ‬لهذا‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬مجالاً‭ ‬لتشريح‭ ‬النفس،‭ ‬وليس‭ ‬مجرّد‭ ‬حكاية‭ ‬تُروى‭.‬

تعتمد‭ ‬ا09ب‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬ثلاثة‭ ‬ممثلين‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬يبدو‭ ‬منسجماً‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬النفسية‭. ‬فاقتصاد‭ ‬الشخصيات‭ ‬يتيح‭ ‬تركيزاً‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التوتر‭ ‬الداخلي‭ ‬بين‭ ‬الذوات،‭ ‬وعلى‭ ‬التحولات‭ ‬الدقيقة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بينها‭. ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الحوار‭ ‬أشبه‭ ‬بجلسة‭ ‬تحليل‭ ‬نفسي‭ ‬جماعية،‭ ‬حيث‭ ‬يتبادل‭ ‬الأبطال‭ ‬الاعترافات‭ ‬والأسئلة‭ ‬والاتهامات،‭ ‬وتظهر‭ ‬التصدّعات‭ ‬التي‭ ‬تخفيها‭ ‬الشخصيات‭ ‬خلف‭ ‬أقنعتها‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وتؤدي‭ ‬الممثلة‭ ‬مريم‭ ‬بن‭ ‬حميدة‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬الدرامي،‭ ‬إذ‭ ‬عُرفت‭ ‬في‭ ‬تجاربها‭ ‬المسرحية‭ ‬والسينمائية‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تجسيد‭ ‬الشخصيات‭ ‬المركّبة‭ ‬نفسياً‭.  ‬وحضورها‭ ‬في‭ ‬ا09ب‭ ‬يضيف‭ ‬إلى‭ ‬العرض‭ ‬بعداً‭ ‬أدائياً‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬الجسدي‭ ‬والنبرة‭ ‬الصوتية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬حالات‭ ‬شعورية‭ ‬متباينة‭. ‬ويقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ “‬مروان‭ ‬الميساوي‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬يواصل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬مساره‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬المعاصر،‭ ‬حيث‭ ‬يميل‭ ‬الأداء‭ ‬إلى‭ ‬التقشف‭ ‬الظاهري‭ ‬مقابل‭ ‬كثافة‭ ‬المعنى‭ ‬الداخلي‭.‬

أما‭ ‬هيثم‭ ‬المومني‭ ‬فيمثّل‭ ‬حالة‭ ‬خاصة‭ ‬داخل‭ ‬المشروع،‭ ‬لأنه‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬التمثيل‭ ‬والكتابة‭.  ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تمنح‭ ‬هذه‭ ‬الازدواجية‭ ‬النصّ‭ ‬حساسية‭ ‬أدائية،‭ ‬إذ‭ ‬يولد‭ ‬الحوار‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬دقيقة‭ ‬بإيقاع‭ ‬الركح‭ ‬وبطبيعة‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الممثلين‭. ‬وبذلك‭ ‬يصبح‭ ‬النصّ‭ ‬نفسه‭ ‬امتداداً‭ ‬للتجربة‭ ‬الجسدية‭ ‬للممثل،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مادة‭ ‬لغوية‭ ‬مستقلة‭ ‬عنها‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬الإخراجية،‭ ‬يميل‭ ‬معزّ‭ ‬القديري‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الرمزية‭ ‬للنصّ،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬فضاء‭ ‬ركحي‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬التجريد‭. ‬وفي‭ ‬ا09ب‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬يتعزّز‭ ‬أكثر،‭ ‬حيث‭ ‬يتحوّل‭ ‬الركح‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬ذهني‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الأزمنة‭ ‬والذكريات‭. ‬فالعرض‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬محاكاة‭ ‬الواقع‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬تفكيكه‭ ‬وإعادة‭ ‬تركيبه‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬نفسية،‭ ‬وكأنّ‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬ليس‭ ‬الأحداث‭ ‬نفسها‭ ‬بل‭ ‬أثرها‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬وقد‭ ‬تجلّت‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬في‭ ‬الهالة‭ ‬التي‭ ‬تكاد‭ ‬تغطّي‭ ‬الوجوه‭ ‬فلا‭ ‬نكاد‭ ‬نتبيّن‭ ‬ملامحها‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثّل‭ ‬أسلوبا‭ ‬غير‭ ‬معتاد‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬الجسدي‭ ‬وخصوصا‭ ‬ما‭ ‬يبرز‭ ‬على‭ ‬الوجوه‭.‬

لغة‭ ‬الحلم‭/ ‬خطاب‭ ‬المسرح

تقوم‭ ‬بنية‭ ‬العمل‭  ‬على‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬يذكّر‭ ‬ببنية‭ ‬الحلم‭. ‬ففي‭ ‬الحلم،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬المسرح،‭ ‬تتجاور‭ ‬صور‭ ‬متناقضة،‭ ‬وتظهر‭ ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬ويصبح‭ ‬المنطق‭ ‬الواقعي‭ ‬أقل‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الرغبة‭ ‬والذاكرة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬الرقم‭ ‬ا09ب‭ ‬باعتباره‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬لحظة‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬ذهنية‭ ‬معينة،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬رمزاً‭ ‬لدائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والهواجس‭ ‬التي‭ ‬تحاصر‭ ‬الشخصيات‭.‬

بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬تقدّم‭ ‬ا09ب‭ ‬حكاية‭ ‬خطية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تطرح‭ ‬تجربة‭ ‬شعورية‭. ‬فالمتفرّج‭ ‬لا‭ ‬يُدعى‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬متابعة‭ ‬أحداث،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬داخل‭ ‬النفس،‭ ‬حيث‭ ‬تنكشف‭ ‬مناطق‭ ‬الخوف‭ ‬والذنب‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العرض‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬مسرحي‭ ‬يختبر‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفنّ‭ ‬وعلم‭ ‬النفس،‭ ‬بين‭ ‬الجسد‭ ‬والذاكرة،‭ ‬وبين‭ ‬التمثيل‭ ‬بوصفه‭ ‬لعبة‭ ‬فنية‭ ‬والاعتراف‭ ‬بوصفه‭ ‬حاجة‭ ‬إنسانية‭. ‬ولا‭ ‬نبالغ‭ ‬ان‭ ‬قلنا‭ ‬أن‭ ‬عرض‭” ‬09‭” ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنشأ‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬متناقضة‭ ‬تماما،‭ ‬فبإمكان‭ ‬المتفرّج‭ ‬أن‭ ‬يفتتن‭ ‬بعوالمها‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينفر‭ ‬من‭ ‬غموضها‭ ‬والتباسها‭ ‬وتعدّد‭ ‬خطاباتها‭ ‬وتناقضها‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدّلالي‭.‬

تندرج‭ ‬مسرحية‭ ‬ا09ب‭ ‬لمعز‭ ‬القديري‭ ‬عموما‭ ‬ضمن‭ ‬المحاولات‭ ‬التونسية‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تجديد‭ ‬لغة‭ ‬المسرح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬حقول‭ ‬معرفية‭ ‬أخرى،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬التحليل‭ ‬النفسي‭. ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تذكّر‭ ‬بأنّ‭ ‬المسرح،‭ ‬منذ‭ ‬نشأته،‭ ‬كان‭ ‬دائماً‭ ‬فضاءً‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأنّ‭ ‬الركح‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬تحليل‭ ‬نفسي‭ ‬جماعية،‭ ‬حيث‭ ‬يتقاسم‭ ‬الممثلون‭ ‬والجمهور‭ ‬تجربة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الذات‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مسرحية الهاربات لوفاء الطبوبي في افتتاح الدورة 35 من أيّام الشارقة المسرحيّة: في الانتظار.. … لن نعود كما كنـّا

‭ ‬تتواصل‭ ‬التحضيرات‭ ‬لاستقبال‭ ‬الدورة‭ ‬الخامسة‭ ‬والثلاثين‭ ‬من‭ “‬أيام‭ ‬الشار…