تشير المؤشرات الاقتصادية خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 إلى تحسن نسبي في تدفقات العملة الصعبة نحو تونس، مدفوعاً أساساً بارتفاع إيرادات السياحة واستمرار تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج. ويظل هذان الموردان الركيزتان الأساسيتان اللتان يعتمد عليهما الاقتصاد الوطني لدعم احتياطي النقد الأجنبي والحفاظ على التوازن في الحسابات الخارجية في ظل ظرف اقتصادي عالمي وإقليمي حساس.
وبحسب بيانات البنك المركزي التونسي بلغت عائدات السياحة إلى نهاية فيفري 2026 نحو 1029.1 مليون دينار بزيادة قدرها 47.1 مليون دينار مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. وتكتسب هذه الزيادة أهميتها ليس لقيمتها فقط، بل لتوقيت تحقّقها المبكر في السنة، وهي فترة عادة ما لا تشهد نشاطاً سياحياً مرتفعاً، ما يعكس ديناميكية إيجابية لبداية موسم 2026. الأمر الذي دفع القطاع السياحي إلى مزيد التعافي بعد سنوات التقلبات التي شهدها بسبب تداعيات جائحة كورونا والظروف الاقتصادية العالمية، فضلاً عن التوترات الجيوسياسية التي أثّرت على حركة السفر والسياحة.
اقتصاديا، يظل القطاع السياحي من أبرز مصادر العملة الصعبة في تونس إذ يساهم في تنشيط قطاعات مترابطة مثل النقل والخدمات الفندقية والتجارة. وتشير الإحصاءات إلى أن مساهمة السياحة في الناتج الداخلي الخام تتراوح بين 7 و9 بالمائة، فيما يوفر القطاع بشكل مباشر وغير مباشر نحو 400 ألف موطن شغل. وقد استقبلت تونس خلال سنة 2025 حوالي 11 مليون سائح، محققة عائدات تجاوزت 7 مليارات دينار، ما يعكس الدور الحيوي للقطاع في توفير احتياطي النقد الأجنبي وتمويل جزء من الواردات الأساسية لا سيما مع ارتفاع الطلب على المواد الأولية والطاقة.
وبالتوازي مع السياحة، تلعب تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الوطني. وقد حافظت هذه التحويلات على نسقها الإيجابي خلال بداية السنة الحالية، لتظل مصدراً مستقراً للعملة الصعبة مقارنة ببعض الموارد الأخرى التي تتأثر بتقلبات الأسواق العالمية.
وتُعتبر هذه التحويلات، التي تتم غالبًا بالعملة الصعبة وخاصة اليورو رافدًا مهمًا لدعم العملة الصعبة في تونس، كما تسهم في تعزيز القدرة الشرائية للأسر وتحسين مستوى المعيشة، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
وبحسب بيانات البنك المركزي التونسي، بلغت قيمة هذه التحويلات نحو 1467 مليون دينار تونسي، مسجلة ارتفاعًا بنسبة حوالي %6.7 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. ومع موفى السنة الجارية، من المتوقع أن تتجاوز أرقام سنة 2025 المقدرة بـ8761 مليون دينار، والتي سجلت هي الأخرى زيادة بنسبة %6 مقارنة بسنة 2024.
وأكدت تقارير اقتصادية أن استمرار نمو التحويلات المالية يشير إلى تماسك الشتات التونسي واستمرار التزامه تجاه أسرهم ووطنهم، وهو ما يعكس قوة الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين الجالية والمجتمع المحلي.
وانعكس هذا التحسن بشكل واضح على احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، حيث بلغ صافي الأصول نحو 25184 مليار دينار إلى غاية 6 مارس 2026، مقابل 23248 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي أي بزيادة سنوية بلغت 1935 مليار دينار. كما ارتفع مستوى تغطية الواردات إلى 106 أيام مقارنة بـ 102 يوم في السنة السابقة، ما يمنح الاقتصاد هامشاً أكبر للتعامل مع تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية.
ولان الضغوط الاقتصادية، (لاسيما ارتفاع كلفة الدعم خاصة للطاقة والمواد الأساسية وخدمة الدين) لاتزال مرتفعة، فإن لاستقرار مصادر العملة الصعبة أهمية مضاعفة. وتزداد الان أهمية مع تواصل التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط التي أثرت على أسعار الطاقة وزادت من كلفة التوريد.
وفي هذا الإطار، تصبح مردودية قطاعي السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج عاملاً أساسياً يمنح الاقتصاد المرونة الكافية لمواجهة الصدمات الخارجية خاصة وأن هذين الموردين يوفران أكثر من ثلث احتياجات تونس من العملة الصعبة. كما أن استمرار تحسن مردودية هذين المصدرين خلال الفترة القادمة قد يوفر استقراراً إضافياً، خاصة مع اقتراب الموسم الصيفي الذي يمثل فترة ذهبية لتدفق العملة الصعبة.
ولئن بدت هذه المؤشرات إيجابية وموارد هذين القطاعين مهمة اقتصاديا، إلا أن التحدي الأكبر لا يقتصر على ارتفاع هذه الموارد بل يكمن في حسن استغلالها لتعزيز النمو من خلال دفع الصادرات الصناعية والفلاحية وتحسين مناخ الاستثمار لضمان ديمومة اقتصادية.
عموما تكشف هذه المعطيات انطلاقة إيجابية نسبياً في بداية سنة اقتصادية تبشّر بمؤشرات طيبة تدعم احتياطي العملة الصعبة وتزيد من متانة الاقتصاد الوطني في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
آفاق أرحب لمضاعفة الصادرات التونسية
من المنتظر أن تسجّل العلاقات التجارية بين تونس والولايات المتحدة الأمريكية تحوّلا ملموسًا …










