مسرحية”09″ لمعز القديري في عرضين متتاليين في قاعة الرّيو بالعاصمة: حين يتحوّل المسرح إلى غرفة تحليل نفسي
تم عرض مسرحية ا09ب للمخرج التونسي معزّ القديري امس الخميس كما تعرض اليوم الجمعة على ركح قاعة الريو بالعاصمة، في تجربة مسرحية تجمع على الركح ثلاثة ممثلين هم مريم بن حميدة، مروان الميساوي، وهيثم المومني الذي لا يكتفي بالأداء التمثيلي بل يشارك أيضاً في كتابة النصّ. و ما يلفت الانتباه في هذا العمل لا يقتصر على فريقه الفني، بل يتعلّق أساساً بطبيعته الجمالية والفكرية التي تميل إلى استثمار مفاهيم التحليل النفسي وجعلها مادّة درامية حيّة وهي مغامرة محفوفة بكثير من المخاطر خصوصا على مستوى التلقّي.
منذ عنوانها المقتضب، توحي ا09ب بأنّنا إزاء علامة أو رقم يختزل دلالة ما، أو ربما يرمز إلى حالة ذهنية أو تجربة إنسانية تتطلّب فكّ شيفرتها. فالعنوان لا يقدّم معنى جاهزاً، بل يفتح باب التأويل، وكأنّ العرض يدعونا إلى الدخول في متاهة نفسية، حيث تتقاطع الذاكرة والصدمة والرغبة والخوف. وهنا بالتحديد تتشكّل علاقة العرض بمجال التحليل النفسي، إذ يبدو المسرح في هذا العمل أقرب إلى فضاء علاج رمزي، تتكشّف فيه طبقات النفس البشرية عبر الحوار والتمثيل والصراع.
حوارات صادمة
ومعلوم أنّه في تقاليد المسرح الحديث، كثيراً ما جرى توظيف مفاهيم التحليل النفسي، منذ أن فتحت كتابات سيغموند فرويد الباب أمام فهم جديد للإنسان بوصفه كائناً تحكمه دوافع لا واعية وصراعات داخلية. وقد استثمر المسرح هذه الرؤية ليحوّل الركح إلى مرآة للذات الممزّقة بين الرغبات والقيود، بين ما يقال وما يُكبت. في هذا السياق يمكن قراءة تجربة معزّ القديري بوصفها امتداداً لهذا المسار الذي يرى في المسرح مجالاً لتشريح النفس، وليس مجرّد حكاية تُروى.
تعتمد ا09ب على حضور ثلاثة ممثلين فقط، وهو خيار يبدو منسجماً مع طبيعة العمل النفسية. فاقتصاد الشخصيات يتيح تركيزاً أكبر على التوتر الداخلي بين الذوات، وعلى التحولات الدقيقة في العلاقات بينها. هنا يصبح الحوار أشبه بجلسة تحليل نفسي جماعية، حيث يتبادل الأبطال الاعترافات والأسئلة والاتهامات، وتظهر التصدّعات التي تخفيها الشخصيات خلف أقنعتها الاجتماعية.
وتؤدي الممثلة مريم بن حميدة دوراً محورياً في هذا النسيج الدرامي، إذ عُرفت في تجاربها المسرحية والسينمائية بقدرتها على تجسيد الشخصيات المركّبة نفسياً. وحضورها في ا09ب يضيف إلى العرض بعداً أدائياً يعتمد على التعبير الجسدي والنبرة الصوتية والقدرة على الانتقال بين حالات شعورية متباينة. ويقف إلى جانبها “مروان الميساوي”، الذي يواصل في هذا العمل مساره في المسرح المعاصر، حيث يميل الأداء إلى التقشف الظاهري مقابل كثافة المعنى الداخلي.
أما هيثم المومني فيمثّل حالة خاصة داخل المشروع، لأنه يجمع بين التمثيل والكتابة. وغالبا ما تمنح هذه الازدواجية النصّ حساسية أدائية، إذ يولد الحوار من معرفة دقيقة بإيقاع الركح وبطبيعة التفاعل بين الممثلين. وبذلك يصبح النصّ نفسه امتداداً للتجربة الجسدية للممثل، لا مجرد مادة لغوية مستقلة عنها.
من الناحية الإخراجية، يميل معزّ القديري في أعماله إلى البحث في المناطق الرمزية للنصّ، مع اعتماد فضاء ركحي يقترب من التجريد. وفي ا09ب يبدو أنّ هذا التوجّه يتعزّز أكثر، حيث يتحوّل الركح إلى فضاء ذهني تتداخل فيه الأزمنة والذكريات. فالعرض لا يسعى إلى محاكاة الواقع بقدر ما يحاول تفكيكه وإعادة تركيبه من زاوية نفسية، وكأنّ ما نراه ليس الأحداث نفسها بل أثرها في الوعي وقد تجلّت نتائج هذا الاختيار في الهالة التي تكاد تغطّي الوجوه فلا نكاد نتبيّن ملامحها وهو ما يمثّل أسلوبا غير معتاد في المسرح الذي يعتمد على التعبير الجسدي وخصوصا ما يبرز على الوجوه.
لغة الحلم/ خطاب المسرح
تقوم بنية العمل على نوع من الصراع الداخلي الذي يذكّر ببنية الحلم. ففي الحلم، كما في المسرح، تتجاور صور متناقضة، وتظهر الشخصيات في حالات غير متوقعة، ويصبح المنطق الواقعي أقل أهمية من منطق الرغبة والذاكرة. ومن هنا يمكن فهم الرقم ا09ب باعتباره علامة على لحظة أو حالة ذهنية معينة، أو ربما رمزاً لدائرة مغلقة من الأفكار والهواجس التي تحاصر الشخصيات.
بهذا المعنى، لا تقدّم ا09ب حكاية خطية بقدر ما تطرح تجربة شعورية. فالمتفرّج لا يُدعى فقط إلى متابعة أحداث، بل إلى مشاركة الشخصيات في رحلة داخل النفس، حيث تنكشف مناطق الخوف والذنب والرغبة في آن واحد. وهذا ما يجعل العرض أقرب إلى مختبر مسرحي يختبر العلاقة بين الفنّ وعلم النفس، بين الجسد والذاكرة، وبين التمثيل بوصفه لعبة فنية والاعتراف بوصفه حاجة إنسانية. ولا نبالغ ان قلنا أن عرض” 09” من الأعمال التي يمكن أن تنشأ ردود فعل متناقضة تماما، فبإمكان المتفرّج أن يفتتن بعوالمها كما يمكن أن ينفر من غموضها والتباسها وتعدّد خطاباتها وتناقضها على المستوى الدّلالي.
تندرج مسرحية ا09ب لمعز القديري عموما ضمن المحاولات التونسية المعاصرة التي تسعى إلى تجديد لغة المسرح من خلال الانفتاح على حقول معرفية أخرى، وعلى رأسها التحليل النفسي. وهي بذلك تذكّر بأنّ المسرح، منذ نشأته، كان دائماً فضاءً لاكتشاف الإنسان، وأنّ الركح يمكن أن يتحوّل في لحظة ما إلى غرفة تحليل نفسي جماعية، حيث يتقاسم الممثلون والجمهور تجربة الكشف عن الذات.
مسرحية الهاربات لوفاء الطبوبي في افتتاح الدورة 35 من أيّام الشارقة المسرحيّة: في الانتظار.. … لن نعود كما كنـّا
تتواصل التحضيرات لاستقبال الدورة الخامسة والثلاثين من “أيام الشار…




