2026-03-12

تسوية الدّيون الفلاحية قانون استثنائي ومكسب إجتماعي..

بعد سنوات من تراكم الديون وتراجع قدرة الفلاحين على السداد حسم مجلس النواب أوّل أمس الجدل وصادق على قانون تسوية الديون الفلاحية المتعثرة وهو قانون ينتظر أن ينتفع به أكثر من 33 ألف فلاح وبحّار. ويأتي هذا الإجراء في سياق اقتصادي صعب يعيشه القطاع الفلاحي الذي يعدّ أحد أعمدة الأمن الغذائي في البلاد.

ويلزم القانون الجديد البنوك العمومية والخاصة بتسوية الديون البنكية للفلاحين والمؤسسات الفلاحية المصنفة لدى البنك المركزي في الصنف الرابع وما فوق، أي الديون التي تعتبر متعثرة بشكل جدي. وينص على جملة من الإجراءات التخفيفية أهمها إعادة جدولة أصل الدين على مدة لا تتجاوز سبع سنوات ومنح الفلاحين سنة إمهال قبل بداية السداد وإلغاء خطايا التأخير بالكامل الى جانب التخلي عن ٪50 من الفوائد التعاقدية الموظفة على القروض وتمكين المنتفعين من حذف التصنيف البنكي السلبي بعد التسوية.

كما يشترط القانون دفع ٪5 من أصل الدين عند تقديم مطلب التسوية، وهو ما يعتبر بمثابة إثبات جدية الفلاح في الدخول في مسار الصلح مع البنك.

وسيظل هذا النظام الاستثنائي ساري المفعول إلى غاية 31 ديسمبر 2026، وهو ما يمنح الفلاحين فترة محدودة لتسوية وضعياتهم.

وكما هو معلوم فان الديون الفلاحية في تونس ليست ظاهرة ظرفية بل هي نتيجة تراكمات هيكلية عاشها القطاع خلال العقود الأخيرة. فقد ارتفعت كلفة الإنتاج بشكل ملحوظ بسبب أسعار البذور والأسمدة والطاقة، في حين ظل دخل الفلاحين رهين تقلبات السوق والظروف المناخية. كما أن عدداً كبيراً من الفلاحين وجد نفسه عالقاً بين ضعف التمويل البنكي الموجّه للفلاحة وارتفاع نسب الفائدة وتراجع مردودية بعض الزراعات التقليدية. وقد أصبحت في هذا السياق الديون المتراكمة عائقاً حقيقياً أمام استمرار النشاط الفلاحي، فالفلاح المصنف بنكيًا في خانة المتعثر يفقد عملياً القدرة على الحصول على تمويل جديد.

في الواقع قد يكون هذا القانون بمثابة علاج ظرفي لأزمة أعمق تتعلق بنموذج التنمية الفلاحية في تونس الذي ما يزال يعاني من ضعف الاستثمار وارتفاع كلفة الإنتاج وغياب سياسات دعم مستقرة. ومما لا شك فيه أن تسوية الديون قد تمنح آلاف الفلاحين فرصة جديدة للعودة إلى الإنتاج لكنها تبقى حسب المراقبين خطوة جزئية إذا لم ترافقها سياسات أكثر شمولاً مثل إصلاح منظومة التمويل الفلاحي وتطوير سلاسل التوزيع والتخزين ودعم الزراعات ذات القيمة المضافة وإعادة النظر في سياسات الأسعار والدعم عامة .

وبين من يراه إنقاذاً ضرورياً للفلاحين ومن يعتبره مجرد تأجيل للأزمة، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الإجراء الاستثنائي إلى نقطة انطلاق لإصلاح أعمق للقطاع الفلاحي حتى لا تعود نفس الأزمة بعد سنوات قليلة.

‫شاهد أيضًا‬

بهدف دفع الاستثمار الفلاحي بالوسط الغربي مشروع تثمين المناطق السقوية يدخل مرحلة التمويل الفعلي

في خطوة عملية لتعزيز التنمية المستدامة في ولايات الوسط الغربي، يشهد مشروع تثمين المناطق ال…