حين يصبح المستقبل مشروعاً : نحو الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري
في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول مستقبل الكوكب، لم يعد الحديث عن البيئة ترفاً فكرياً أو خطاباً أخلاقياً يُقال في المؤتمرات ويُنسى في الحياة اليومية.
لقد تحوّل إلى مسألة وجودية تمسّ الاقتصاد كما تمسّ المجتمع، وتمسّ رفاه الأجيال القادمة بقدر ما تمسّ حاجات الحاضر. وفي هذا السياق يكتسب التوجه نحو الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري أهمية متزايدة، بوصفه محاولة واعية لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين التنمية والموارد.
المبادرة التي أعلنت عنها وزارة البيئة بإطلاق خط تمويل بقيمة عشرين مليون دينار لتمويل مشاريع في هذه المجالات ليست مجرد إجراء مالي عابر، بل هي إشارة إلى تحوّل في التفكير التنموي. فالتنمية، في معناها التقليدي، كانت تقوم على استنزاف الموارد الطبيعية بلا حساب، وعلى إنتاج الثروة دون الالتفات كثيراً إلى الكلفة البيئية والاجتماعية. أما اليوم، فإن العالم كله يتجه إلى نموذج مختلف: تنمية تحافظ على الموارد بقدر ما تستثمرها، وتفكر في الغد بقدر ما تعالج مشكلات اليوم.
حين نتحدث عن الاقتصاد الأخضر، فإننا لا نتحدث فقط عن أشجار تُغرس أو مساحات تُحمى، بل عن منظومة اقتصادية كاملة تعيد تعريف الإنتاج والاستهلاك. الزراعة البيولوجية، والسياحة الإيكولوجية، والبناء المستدام، والصناعات الصديقة للبيئة، كلها قطاعات تحمل في داخلها إمكانات كبيرة لخلق الثروة، ولكن بثمن بيئي أقل. إنها اقتصاد يربح فيه الإنسان والطبيعة معاً.
أما الاقتصاد الأزرق، فهو في جوهره اعتراف متأخر بقيمة البحر. فالبلدان المطلة على السواحل، مثل تونس، تمتلك ثروة طبيعية هائلة في مياهها البحرية. غير أن هذه الثروة كثيراً ما أُهملت أو استُنزفت دون تخطيط بعيد المدى. الصيد المستديم، وحماية النظم البيئية البحرية، ومكافحة التلوث، وتثمين الموارد المائية، كلها عناصر تجعل البحر شريكاً في التنمية لا ضحية لها.
ثم يأتي الاقتصاد الدائري، الذي يقدّم فكرة بسيطة لكنها ثورية: لا شيء يجب أن يُهدر. ففي النموذج الاقتصادي القديم، كانت النفايات نهاية الطريق. أما في الاقتصاد الدائري فهي بداية دورة جديدة. ما يُلقى اليوم يمكن أن يصبح مادة أولية لصناعة الغد. إعادة التدوير، وتثمين النفايات، والاقتصاد في الطاقة والموارد الطبيعية، كلها خطوات تجعل الاقتصاد أكثر كفاءة وأقل هدراً.
خط التمويل الذي أُعلن عنه، والذي يمكن أن يصل إلى خمسمائة ألف دينار لكل مشروع مع شروط سداد ميسّرة تمتد إلى عشر سنوات وفترة إمهال بثلاث سنوات، يحمل رسالة واضحة: الدولة لا تكتفي بالدعوة إلى التنمية المستدامة، بل تسعى إلى توفير الأدوات العملية لتحقيقها. انخراط عدد من البنوك في هذا البرنامج يعكس أيضاً إدراكاً متزايداً بأن الاستثمار في البيئة ليس مغامرة، بل فرصة اقتصادية حقيقية.
الأهمية الكبرى لهذا التوجه لا تكمن فقط في الأرقام أو القروض، بل في الأفق الذي يفتحه. فالمشاريع الخضراء والزرقاء والدائرية يمكن أن تتحول إلى رافعة اقتصادية واجتماعية في آن واحد. فهي قادرة على خلق مواطن شغل جديدة، خصوصاً للشباب الحاملين للشهادات العليا، كما يمكن أن تمنح دفعاً للمؤسسات الصغرى والشركات الأهلية التي تبحث عن فرص للنمو في قطاعات واعدة.
والأهم من ذلك أنها تسهم في بناء بيئة أكثر صحة واستدامة. فالمدن التي تُدار فيها النفايات بذكاء، والقرى التي تعتمد على زراعة بيولوجية نظيفة، والسواحل التي تُحمى من التلوث، كلها عناصر تجعل البلاد مكاناً يطيب فيه العيش. التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بارتفاع الناتج الداخلي الخام، بل أيضاً بجودة الحياة التي يشعر بها المواطن في يومه العادي: هواء نظيف، ماء صالح، بيئة متوازنة.
وفي عالم يتزايد فيه اهتمام المستثمرين بالمعايير البيئية والاجتماعية، يمكن لمثل هذا التوجه أن يعزز جاذبية البلاد للاستثمار. فالمستثمر اليوم لا يبحث فقط عن سوق أو يد عاملة، بل يبحث أيضاً عن بيئة مستقرة ومستدامة. الاقتصاد الأخضر، بمعناه الواسع، أصبح أحد مؤشرات الحداثة الاقتصادية للدول.
من هنا يمكن القول إن المبادرة التي أطلقتها وزارة البيئة ليست مجرد برنامج تمويل، بل خطوة في طريق طويل نحو نموذج تنموي جديد. نموذج يدرك أن الموارد الطبيعية ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي أمانة تنتقل من جيل إلى آخر. وأن التنمية التي تُهمل البيئة قد تبدو مربحة في المدى القصير، لكنها تدفع ثمناً باهظاً في المستقبل.
في النهاية، قد يبدو الطريق نحو اقتصاد أخضر وأزرق ودائري طويلاً، لكنه الطريق الذي تسلكه اليوم معظم دول العالم التي تفكر في الغد بجدية. وكل خطوة في هذا الاتجاه، مهما بدت صغيرة، هي استثمار في مستقبل الأجيال القادمة.
فالمستقبل، في نهاية المطاف، لا يأتي صدفة. إنه يُبنى مشروعاً بعد مشروع، وفكرة بعد فكرة، وقراراً بعد قرار. وربما تكون هذه المبادرة واحدة من تلك القرارات التي تفتح نافذة أوسع على غدٍ أكثر توازناً، غد تتصالح فيه التنمية مع الطبيعة، ويصبح فيه الاقتصاد شريكاً للحياة لا عبءا عليها.
حين تحرس الديوانة سيادة الدولة: معركة العملة الصعبة والذهب على تخوم الوطن
في أقصى الجنوب الشرقي من البلاد، حيث تتقاطع الطرق التجارية المشروعة بظلال الاقتصاد الموازي…












