لقي مقترح النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم الممثل عن ولاية بن عروس مروان زيّان بإحداث آلية إدارية جديدة لتنظيم ملف المهاجرين غير النظاميين في تونس ترتكز أساساً على إحداث «بطاقة التسجيل المؤقت لتسهيل العودة الطوعية» تفاعلا كبيرا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

ويعود هذا التفاعل الكبير إلى وجاهة المبادرة وطرافتها وقابليتها للتنفيذ من جهة، ومن جهة ثانية إلى كونها تتزامن مع تزايد الجدل حول وجود المهاجرين غير النظاميين في بلادنا وأفضل السبل في التعامل مع هذا الملف الذي يتداخل فيه فاعلون كثر من الداخل والخارج ويزداد العبء من يوم إلى آخر وتتفاقم التحديات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والحقوقية والأخلاقية في ظل أوضاع اقليمية ودولية جد شائكة.

إن العودة الطوعية خيار إيجابي في معالجة ملف المهاجرين غير النظاميين، ليس ببلادنا فقط وإنما في العالم، فالهجرة غير النظامية ظاهرة كونية منتشرة في القارات الخمس كما يقال لأسباب يعلمها الجميع وهي تهم طيفا واسعا من أبنائنا التونسيين المتواجدين في الدول الأوروبية بشكل خاص وهو ملف للأسف يخضع للإبتزاز والتوظيف الدولي لاستهداف استقرار وسيادة الدول.

ان مبادرة النائب بمجلس الجهات والأقاليم يمكن أن تمثل أرضية لحل وجيه تشترك فيه عديد الأطراف وتسهر على تنفيذه في كنف احترام الحقوق والحريات بعيدا عن التهويل في الاتجاهين، اتجاه التقليل من خطورة الملف وتمييعه، واتجاه يجعله خطرا جاثما يهدّد حاضر البلاد ومستقبلها، فكثير من الدول التي تشبهنا في شمال حوض المتوسط تستقبل يوميا مئات كي لا نقول آلاف المهاجرين غير النظاميين من جنوب المتوسط.

والحديث عن بطاقة التسجيل المؤقت في زمن الرقمنة يمثل تحدّيا بالنسبة إلينا، وقد يكون الأمر هيّنا بتظافر الجهود والعمل الجماعي لذلك ليس من الوجاهة الاقتصار على ذكر وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج فقط، أو تحميلها مسؤولية الملف برمّته.

ان العمل في جانبه اللوجستي يستوجب مشاركة أكثر من وزارة على غرار وزارة الداخلية ووزارة الدفاع الوطني ووزارة الاتصال ووزارة الصحة وغيرها لتحويل البطاقة من مجرد آلية إدارية تتهدّدها البيروقراطية وضيق ذات اليد، إلى مشروع إنساني ينهي أزمة المهاجر غير النظامي الذي يغامر ويترك بلاده بحجة تحولها الى «جهنّم» لا يطيب فيها العيش ولا ينمو بها الأمل، والبحث بالتالي عن «جنّة» في دول اخرى لا يجدها بطبيعة الحال، كل هذا دون المسّ بصورة وسلامة الدولة المضيفة أو «دولة العبور»  التي قد تجد نفسها دولة استقرار دائم.

وهنا نحتاج إلى خطة اتصالية محكمة لتسويق هذه الفكرة وحسن إدارتها وترجمتها في الواقع بطريقة عملية تحافظ على سيادة الدولة وتساعد في إدارة المعطيات المتعلقة بالمهاجرين غير النظاميين مع احترام التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان والنجاح في النهاية في تشجيع العودة الطوعية بالآليات المناسبة المستحدثة.

إن مشروع إحداث بطاقة التسجيل المؤقت لتسهيل العودة الطوعية يبدأ بضرب القطيعة وعلاقة الريبة الموجودة في الوقت الحاضر بين المهاجر غير النظامي وبلادنا ويؤسس لعلاقة طبيعية وبنّاءة تجعله ينخرط على مهل في برنامج العودة الطوعية إلى بلده الأصلي، وتساعد في إخراجه من حالة مجهول الهوية إلى وضعية المسجّل إدارياً الأمر الذي يوفر الفرصة أولا للتمتع بجملة من الخدمات وثانيا امكانية الحصول على دعم ومساعدة المنظمة الدولية للهجرة وغيرها من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ذات الصلة.

إن معالجة ملف الهجرة غير النظامية يجب أن ينبني على مقاربة تبنى على الثقة وعلى احترام الكرامة المتأصلة في بني البشر لذلك يجب أن يكون التسجيل طوعيا بعيدا عن الردع والزجر سواء كان قانونيا أو أمنيا.

وبما أننا إزاء معضلة دولية شائكة متعددة الأطراف فلا مناص من دخول أطراف عديدة على الخط وأن تتحمل دول بعينها مسؤولياتها التاريخية تكفيرا عن ذنب تاريخي وجبرا لضرر متواصل الى اليوم.

إن المهاجر غير النظامي القادم من دول جنوب الصحراء على سبيل المثال ما  كان ليترك وطنه لو لم يكن مستعمرا بشكل مباشر لعقود طويلة وتابعا ومتذيّلا للمستعمر الآن.

ويحسب للنائب في مجلس الجهات والأقاليم، صاحب المبادرة، أنه يرى ضرورة فتح نقاش وطني مسؤول حول كيفية إدارة ملف الهجرة غير النظامية بطريقة واقعية ومتوازنة تضمن حماية المصالح الوطنية لتونس وتحافظ على الاستقرار الاجتماعي في مختلف الجهات، وهذا يعني في ما يعنيه بالنسبة إلينا الابتعاد عن شيطنة أشقائنا الأفارقة، فالكثير منهم ضحية، وكثير منهم له الحق في الدراسة والعمل والتنقل في إطار القانون بطبيعة الحال، كما أنه لا مصلحة لنا في تخويف التونسيين وإذكاء روح العنصرية والعنف التي يعاني منها أبناؤنا التونسيون في أوروبا.

‫شاهد أيضًا‬

قرارات «جريئة» لوزارتي الصحة والتعليم العالي تثوير الخارطة الصحية..

رغم تواتر الحديث عن نقائص قطاع الصحة ببلادنا وخصوصا أداء القطاع العام فإن إنجازات ومكاسب ب…