في ظل تنامي العنف داخل المؤسسات التعليمية هل يحسم البرلمان في تنقيح التشريعات؟
عقدت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب،خلال الأسبوع المنقضي جلسة استماع إلى ممثلي وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي بخصوص مقترح القانون عدد 46 لسنة 2025 المتعلق بزجر الاعتداء على الإطار التربوي.
وينص مقترح القانون، الذي يتضمن فصلا وحيدا، على تنقيح الفصل 218 من المجلة الجزائية بإضافة فقرة ترفع العقوبة السجنية إلى خمس سنوات وخطية مالية قدرها خمسة آلاف دينار، دون إمكانية تطبيق ظروف التخفيف، إذا كان المتضرر من أسلاك التربية والتعليم، كما يجرّم محاولة الاعتداء. ويهدف هذا التعديل إلى ردع الاعتداءات المتكررة على المربين والأساتذة وتعزيز الحماية القانونية للإطار التربوي داخل المؤسسات التعليمية ومحيطها.
ويستند مقترح القانون إلى تنامي ظاهرة العنف في المجتمع التونسي، خاصة داخل الفضاءات التربوية، حيث يعدّ المربون من بين الفئات الأكثر عرضة للاعتداءات في المدارس والمعاهد، إلى جانب مؤسسات التعليم العالي ورياض الأطفال ودور الحضانة.
وأكد ممثلو وزارة التعليم العالي أن حالات العنف داخل الجامعات تبقى محدودة مقارنة بما يسجل في مؤسسات التربية والتعليم، مشيرين إلى اعتماد مقاربة وقائية تقوم على هياكل الوساطة وخلايا اليقظة داخل الحرم الجامعي. كما شددوا على ضرورة معالجة الظاهرة ضمن استراتيجية وطنية شاملة، مع طرح تساؤلات حول تحديد صفة الإطار التربوي المشمول بالحماية والإطار المكاني للاعتداء.
من جهتهم، اعتبر ممثلو وزارة التربية أن العنف داخل المؤسسات التربوية يعكس تصاعد العنف في المجتمع وتراجع بعض القيم المرتبطة باحترام المربّي. وأكدوا أن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب مقاربة مجتمعية شاملة، لافتين إلى أن تخصيص نص قانوني لحماية الإطار التربوي قد يثير إشكال المساواة مع بقية المهن، إضافة إلى صعوبة إثبات بعض أشكال العنف. كما ذكّروا بأن المجلة الجزائية تتضمن بالفعل أحكاما لحماية الموظفين العموميين، وأن عدم اعتماد ظروف التخفيف قد يتعارض مع مجلة حماية الطفل في حال كان المعتدي قاصرا.
وقد أجمع أعضاء اللجنة والنواب الحاضرون على خطورة ظاهرة العنف داخل المؤسسات التربوية وضرورة توفير الحماية اللازمة للمربين باعتبار دورهم الأساسي في تربية الأجيال. غير أن الآراء تباينت حول سبل المعالجة، حيث رأى بعض النواب أن تزايد الاعتداءات يستوجب تشديد العقوبات وردع المعتدين بهدف تحصين المؤسسة التربوية، في حين اعتبر آخرون أن سنّ قانون خاص قد يطرح إشكالا دستوريا يتعلق بمبدإ المساواة، إضافة إلى محدودية فاعلية العقوبات السجنية في الحد من الجرائم.
و أكد ممثلو وزارتي التربية والتعليم العالي ضرورة التصدي لظاهرة العنف في الوسط التربوي من خلال مقاربة شاملة تقوم على البحث في الأسباب العميقة للظاهرة ووضع استراتيجية وطنية تعالج مختلف جوانبها، مشيرين إلى ما تم إنجازه من دراسات وبحوث بالتنسيق مع مراكز ومؤسسات مختصة بهدف فهم الظاهرة واقتراح حلول عملية للحد منها.
في هذا السياق، أكّد مقرر لجنة التشريع العام بالبرلمان، ياسر القوراري، في تصريح لـ«الصحافة اليوم»، أن مقترح القانون المتعلّق بزجر الاعتداء على الإطار التربوي يندرج في إطار الاستجابة لمطالب متواصلة عبّرت عنها مكونات قطاع التربية والتعليم منذ سنوات، في ظلّ ما تشهده المؤسسات التربوية من إشكاليات متراكمة تفاقمت بشكل لافت خلال العشرية الأخيرة، وفي مقدّمتها تنامي ظاهرة العنف داخل الفضاءات التربوية.
وأوضح القوراري أن هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على الاعتداءات التي تطال المدرّسين فحسب، بل أصبحت تشمل مختلف الأطراف داخل المؤسسة التربوية، من تلاميذ وقيمين وإطارات إدارية وبيداغوجية، وهو ما يطرح تحديات حقيقية تتعلق بسلامة المناخ التربوي وضرورة توفير بيئة تعليمية آمنة لجميع المتدخلين في العملية التربوية.
وأضاف أن جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة مع ممثلي وزارة التربية أظهرت وجود توافق مبدئي حول أهمية حماية المؤسسة التربوية والتصدي لظاهرة العنف داخلها، غير أن ممثلي الوزارة أكدوا في المقابل أن المقترح المعروض يحتاج إلى مزيد من التطوير والتجويد على مستوى الصياغة القانونية وبعض الجوانب الإجرائية.
وبيّن القوراري أن لجنة التشريع العام ستعمل خلال المرحلة المقبلة على دراسة مختلف الملاحظات المقدّمة من الجهات المعنية، بهدف إدخال التعديلات الضرورية على المقترح بما يضمن نجاعته القانونية وفاعليته في الحدّ من الاعتداءات داخل الفضاءات التربوية. كما أشار إلى أن النقاش داخل اللجنة سيتناول كذلك الصيغة الأنسب لاعتماد هذه الأحكام، سواء عبر تنقيح الفصل المعني ضمن المجلة الجزائية أو من خلال إقرار نصوص قانونية مكمّلة خارجها.
يذكر ان لجنة التشريع العام انطلقت في نقاش هذا المشروع خلال أكتوبر 2025. ويتضمّن المقترح تنقيح الفصل 218 من المجلة الجزائية من خلال إضافة فقرة تنصّ على الترفيع في العقوبة إذا كان المتضرّر من أسلاك التربية والتعليم.
إعادة تأهيل «التونيسار» على طاولة الغرفة التشريعية الثانية: مؤشرات ايجابية للإصلاح التدريجي..
مثّل موضوع متابعة الإجراءات المتخذة لإعادة تأهيل شركة الخطوط الجوية التونسية، والاستعدادات…












