لجنة التشريع تُناقش مُقترح قانون تشديد عقوبات جرائم «البراكاج» توجّه إصلاحي لتحقيق السّلم الإجتماعية…
في إطار الاهتمام المتزايد بتعزيز الأمن الاجتماعي، عقدت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب أول أمس جلسة استماع حول مقترح قانون يتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية الخاصة بالسرقات باستعمال العنف ، جاء هذا المقترح، كردّ فعل على تفاقم ظاهرة «البراكاج» ويهدف إلى تنقيح الفصول 261 و262 و264 من المجلة الجزائية، بتحديد عقوبات سجنية مشددة تتراوح بين 15 و20 سنة، مع رفع الخطية إلى 2000 دينار، وإلغاء إمكانية تطبيق ظروف التخفيف المنصوص عليها في الفصل 53.
وقد أكد ممثلو وزارة العدل خلال الجلسة أن التطورات الاجتماعية والاقتصادية تجاوزت بعض أحكام المجلة الجزائية، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة لفصولها وأحكامها حتى تصبح أكثر ملاءمة لمتطلبات المرحلة ومواكبة للعصر كما شددوا على ضرورة تدقيق الصياغة لتتناسب مع نية المشرّع، الذي يسعى لتشديد العقوبات ليكون الحد الأدنى 15 سنة والأقصى 20 سنة وأشاروا إلى أن تنقيح هذه الفصول قد يتطلب إعادة النظر في فصول أخرى لضمان التناسق. في المقابل، أعرب أصحاب المبادرة والنواب عن قلقهم من خطورة الظاهرة، التي ـ وإلى جانب ما تخلفه من آثار سلبية على الضحايا بمختلف شرائحهم ـ فإنها تهدد السلم الإجتماعية، كما تضرّ بصورة تونس وسمعتها داخليا وخارجيا، كما أوضحوا أن تطبيق ظروف التخفيف وإرغام الضحايا على إسقاط الحق أدّى إلى عدم فاعلية الزجر الحالي.
تقول في هذا السياق النائبة بسمة الهمامي في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن مقترح القانون يتنزل في إطار السعي الحثيث لوضع حد لاستفحال الجريمة التي باتت تؤرق المجتمع وتهدد أمنه واستقراره ، معتبرة في الآن ذاته ان الردع وحده كفيل ببلوغ الأهداف المنشودة.
وأفادت الهمامي في السياق ذاته أن التطبيع مع الجريمة والعنف يعتبر أشدّ خطورة من الحدث في حدّ ذاته إذ يشي بالحالة المرضية التي بات يعرفها المجتمع والتي تدلّ على أن الثوابت قد طالتها جملة من الأعطاب وهو وضع مرفوض والإصلاح أصبح ضرورة قصوى وملحّة . معتبرة أنه لا وجود لأي نوع من أنواع المغالاة أمام قتل الأرواح وتشديد العقوبات من الآليات الناجعة للتصدي لهذه الظاهرة.
وبالعودة إلى ظاهرة «البراكاج» أو السرقة باستعمال العنف الشديد،فإنها ليست جديدة في تونس، ولكنها تفاقمت بشكل ملحوظ منذ الثورة في 2011 وما تلاها من انفلات أمني، وهي ظاهرة تعرف بكونها جرائم متعددة الأشكال والأوجه تتمثل في عمليات سطو مسلح أو عنيف، غالباً ما تقوم بها مجموعات من الشباب أو الأحداث، مستخدمين أسلحة بيضاء أو عنف جسدي لسرقة هواتف، أموال، مجوهرات، أو ممتلكات أخرى.
هذا وتمثل جرائم السرقات والعنف نسبة عالية من إجمالي الجرائم في تونس وتتصدر ولايات تونس الكبرى مسرح وقوع هذه الجرائم وشكلت السرقات والبراكاجات أهم مظاهر حالات العنف المرصودة وبالعودة للأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، نجد أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية حيث يُعدّ الفقر والبطالة المحرك الأساسي والقادح الرئيسي لتفشي هذه الظاهرة ، إذ يدفعان الكثيرين نحو الجريمة بالإضافة إلى تراجع الدور الثقافي والتربوي،وكذلك الإدمان على المخدرات والانحراف أو التفكك الأسري حيث يشارك الأحداث غالباً في هذه العمليات ووفقاً لعديد الدراسات الاجتماعية فإن هذه الظاهرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالوضع المادي والاقتصادي المتردي والتنشئة الاجتماعية الضعيفة، مما يجعلها ليست مجرد جريمة فردية بل مشكلة مجتمعية عميقة لها نتائج وخيمة على الفرد والمجتمع على حد سواء لما تؤدي إليه من جرائم قتل وإصابات خطيرة، في صفوف النساء وكبار السن، والأطفال.
وقد تم في الفترة الأخيرة تسجيل انتشار واسع لأحداث العنف،من حوادث سرقة ومحاولات طعن في الشوارع أمام المارة، وهو ما أثار غضباً شعبيا عارما ودعوات لإجراءات ردعية وصلت إلى حد المطالبة بالعودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام وذلك لفرط بشاعة بعض الجرائم المرتكبة بما أن هذه الحوادث لا تقتصر على الخسائر البشرية، بل تمتد إلى ترويع المجتمع، مما يهدد السلم الإجتماعية ويؤثر سلباً على سمعة البلاد ويحول دون فرص الاستثمار واستقطاب المستثمرين ويعيق مشاريع التنمية وفرص النهوض بالاقتصاد الوطني.
وهنا يتنزل النقاش حول مشروع المقترح واستتباعاته فمن جهة، يرى مؤيدوه أنه خطوة ضرورية للردع، إذ سيحدّ من انتشار الجرائم من خلال عقوبات مشددة تتناسب مع خطورتها، مما يعزز الأمن ويحمي الضحايا المحتملين، خاصة في ظل محدودية العقوبات الحالية، وهو ما سيساهم في استعادة صورة تونس كوجهة آمنة، ويحافظ على السلم الاجتماعية بمنع تفشي العنف في حين يبرز في الجهة المقابلة حذر بعض النواب من مغالاة في التشديد، محتجين بأن عدم تطبيق التخفيف قد يؤدي إلى آثار سلبية، مثل اكتظاظ السجون وزيادة الجرائم بين الشباب الذين يرتكبونها لأول مرة وهو ما يتعارض مع التوجه الإصلاحي للسياسة الجزائية، الذي يركز على الوقاية والإصلاح بدلاً من العقاب فقط.
لذا، يظل السؤال مطروحا بإلحاح عن الحاجة إلى مقاربة شاملة تجمع بين التشريع الحازم والرادع من جهة والبرامج الاجتماعية لمعالجة الأسباب الجذرية في الجهة المقابلة.
وفي كل الأحوال، يمثل هذا المقترح تحولاً مهما في السياسة الجزائية التي تحاول التوفيق بين الزجر والإصلاح لضمان نجاعة طويلة الأمد أملا في أن تساهم في بناء مجتمع أكثر أمناً، بعيداً عن شبح البراكاج الذي طالما أرّق الجميع.
تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على قطاع المحروقات في تونس : الإمدادات آمنة.. وخيار الميزانية التكميلية مطروح
في ظل التصعيد العسكري الجاري في الشرق الأوسط، والذي أدى إلى إعلان مضيق هرمز ممرّا مغلقا بق…











