كيف طرح المخرجون السينمائيون الصّراع الأمريكي الإيراني؟ من أجل تحرير الصورة من أسر السياسة، وإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية
ظلّ الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مادّة سياسية بامتياز، لكنّه تحوّل أيضًا إلى مادّة سينمائية خصبة، تشتبك فيها الجغرافيا بالهوية، والسياسة بالذاكرة، والإنساني بالأيديولوجي. وفي هذا الاشتباك، لم يكن الفنّانون مجرّد ناقلين لخطاب رسمي، بل كانوا ذ في أفضل الأعمال ذ مفكّكين له، أو على الأقلّ محاورين له من موقع جمالي وأخلاقي.
هوليوود بين البطولة والالتباس
في السينما الأمريكية، كثيرًا ما طُرح الصراع من منظور أمني/سياسي، حيث تُستعاد إيران باعتبارها فضاءً للتهديد أو الغموض. ف فيلم “أرغو” Argo 2012 للمخرج بن أفليك يُعدّ نموذجًا دالًا. إذ يستند الشريط إلى واقعة حقيقية إبّان أزمة الرهائن في طهران، ويقدّم عملية تهريب دبلوماسيين أمريكيين في قالب تشويقي محكم. جماليًا، وينجح العمل في بناء توتّر درامي متصاعد، وفي إعادة خلق أجواء نهاية السبعينيات بدقّة لافتة. غير أنّ الرؤية تظلّ محكومة بمركزية أمريكية واضحة، فالإيراني يظهر في الغالب ضمن حشد غاضب أو جهاز أمني متحفّز، بينما يُمنح البطل الأمريكي عمقًا إنسانيًا ومهنيًا.
ومع ذلك، لا يخلو الفيلم من لحظات التباس أخلاقي، إذ يلمّح إلى ارتباك الإدارة الأمريكية نفسها، وإلى هشاشة القرار السياسي. لكنّ هذا الالتباس يبقى محدودًا داخل إطار سردي يحتفي بالبطولة الفردية ويعيد تثبيت صورة أمريكا المنقذة.
أما فيلم الثانية بعد منتصف اللّيل Zero Dark Thirty للمخرجة كاثرين بيغلو، فرغم تركيزه على مطاردة أسامة بن لادن، فإنّه يعكس مناخًا أوسع من الصراع في الشرق الأوسط، حيث تُختزل المنطقة في خرائط أمنية ومواقع سرّية. وهنا تتراجع الشعارات المباشرة لصالح مقاربة شبه وثائقية، تطرح سؤالًا مقلقًا: إلى أي حدّ يمكن تبرير العنف باسم الأمن القومي؟ وفي هذا المعنى، تتجاوز “بيغلو” الخطاب الدعائي الصريح، وتضع المشاهد أمام منطقة رمادية أخلاقيًا، حتى وإن ظلّ المنظور أمريكيًا في جوهره.
السينما الإيرانية: الإنسان في مواجهة السياسة
في المقابل، نادرًا ما قدّمت السينما الإيرانية الصراع مع أمريكا بوصفه موضوعًا مباشرًا. فالمخرج الإيراني ذ في تقاليد ما بعد الثورة ذ غالبًا ما يلجأ إلى الحكاية اليومية، إلى الأسرة والطفولة والهامش الاجتماعي، ليقول السياسة دون أن يسمّيها. وهذه استراتيجية جمالية بقدر ما هي ضرورة رقابية.
ففي أعمال أصغر فرهادي، مثل “انفصال” A Separation، لا يظهر الصراع الأمريكي الإيراني بوصفه حدثًا، بل كظلّ بعيد. فالفيلم منشغل بانقسام أسري وأخلاقي داخل المجتمع الإيراني، لكنّه يقدّم صورة مركّبة عن مجتمع حيّ، متعدّد، بعيد عن الكليشيهات الغربية. وهنا تكمن قوة الطرح في تفكيك الصورة النمطية التي روّجتها السياسة، عبر إظهار الإنسان الإيراني في تعقيده، لا في اختزاله.
أما جعفر بناهي، ففي أفلامه مثل “تاكسي” Taxi، فيشتغل على الداخل الإيراني بوصفه ساحة توتّر دائم بين الفرد والمؤسسة. وهو لا يهاجم أمريكا، ولا يحتفي بها؛ بل يفضح آليات القمع المحلي، في إشارة ضمنية إلى أن الصراع الحقيقي يبدأ من الداخل. وهذا التحويل لبوصلة الصراع ذ من مواجهة خارجية إلى مساءلة ذاتية ذ هو في حدّ ذاته موقف فني وفكري شجاع كان سببا في الكثير من التضييقات والمشاكل التي تعرّض لها المخرج والتي أرغمته على انجاز أفلام بطرق سرّية نالت الاستحسان والجوائز العالمية.
بين الصورة النمطية وتفكيكها
يبدو إذن أنّ السينما الأمريكية، في جزء معتبر منها، تعاملت مع الصراع ضمن سردية البطولة والأمن، بينما آثرت السينما الإيرانية الالتفاف عليه عبر التركيز على الإنسان الفرد. غير أنّ الصورة ليست أحادية. فبعض الأفلام الأمريكية المستقلة سعت إلى تقديم رؤية أكثر تعاطفًا مع المجتمع الإيراني، كما أنّ بعض الإنتاجات الإيرانية الرسمية انزلقت إلى خطاب تعبوي مباشر.
المفارقة أنّ الفنّان، في السياقين، يجد نفسه أمام سؤال واحد: كيف يمكن تمثيل زالعدوس دون الوقوع في فخّ الشيطنة؟ هنا تتجلّى قيمة الأعمال التي تجرؤ على التعقيد، والتي تمنح الآخر صوتًا وملامح، بدل أن تحوّله إلى شعار.
السينما كمساحة ثالثة
لا يمكن اختزال الصراع الأمريكي الإيراني في خطابات السياسة وحدها. فالسينما، حين تكون وفية لجوهرها الإنساني، تفتح مساحة ثالثة ، مساحة يتجاور فيها الخوف والرغبة، الذاكرة والراهن، الأيديولوجيا والحياة اليومية. وفي هذه المساحة، يصبح الإيراني أبًا أو أمًّا أو طفلًا، ويصبح الأمريكي إنسانًا مأزومًا لا مجرّد جندي أو عميل.
ولعلّ أهمّ ما أنجزته بعض هذه الأفلام هو نقل الصراع من مستوى الشعارات إلى مستوى التجربة الإنسانية. وحين تنجح الكاميرا في التقاط ارتجافة وجه، أو تردّد قرار، أو دمعة مكبوتة، فإنّها تُسقط جزءًا من جدار العداء الرمزي. هكذا يظلّ الرهان الجمالي، في كلا الضفتين، هو تحرير الصورة من أسر السياسة، وإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية.
انطباعات أوّلية عن الانتاجات الدّرامية لرمضان 2026 في تونس: بين رهانات التجديد و”كليشيهات” الاستسهال
شهدت الشاشة التونسية خلال هذه الأيام من شهر رمضان 2026 موسمًا دراميً…











