2026-03-07

كيف طرح المخرجون السينمائيون الصّراع الأمريكي الإيراني؟ من أجل تحرير الصورة من أسر السياسة، وإعادة الإنسان إلى مركز الحكاية

ظلّ‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإيران،‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬مادّة‭ ‬سياسية‭ ‬بامتياز،‭ ‬لكنّه‭ ‬تحوّل‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬مادّة‭ ‬سينمائية‭ ‬خصبة،‭ ‬تشتبك‭ ‬فيها‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بالهوية،‭ ‬والسياسة‭ ‬بالذاكرة،‭ ‬والإنساني‭ ‬بالأيديولوجي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الاشتباك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الفنّانون‭ ‬مجرّد‭ ‬ناقلين‭ ‬لخطاب‭ ‬رسمي،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الأعمال‭ ‬ذ‭ ‬مفكّكين‭ ‬له،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬محاورين‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬جمالي‭ ‬وأخلاقي‭.‬

هوليوود‭ ‬بين‭ ‬البطولة‭ ‬والالتباس

في‭ ‬السينما‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬طُرح‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬أمني‭/‬سياسي،‭ ‬حيث‭ ‬تُستعاد‭ ‬إيران‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءً‭ ‬للتهديد‭ ‬أو‭ ‬الغموض‭.  ‬ف‭ ‬فيلم‭ “‬أرغو‭”  ‬Argo 2012‭ ‬للمخرج‭ ‬بن‭ ‬أفليك‭ ‬يُعدّ‭ ‬نموذجًا‭ ‬دالًا‭.  ‬إذ‭ ‬يستند‭ ‬الشريط‭ ‬إلى‭ ‬واقعة‭ ‬حقيقية‭ ‬إبّان‭ ‬أزمة‭ ‬الرهائن‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬ويقدّم‭ ‬عملية‭ ‬تهريب‭ ‬دبلوماسيين‭ ‬أمريكيين‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬تشويقي‭ ‬محكم‭. ‬جماليًا،‭ ‬وينجح‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬توتّر‭ ‬درامي‭ ‬متصاعد،‭ ‬وفي‭ ‬إعادة‭ ‬خلق‭ ‬أجواء‭ ‬نهاية‭ ‬السبعينيات‭ ‬بدقّة‭ ‬لافتة‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الرؤية‭ ‬تظلّ‭ ‬محكومة‭ ‬بمركزية‭ ‬أمريكية‭ ‬واضحة،‭ ‬فالإيراني‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬ضمن‭ ‬حشد‭ ‬غاضب‭ ‬أو‭ ‬جهاز‭ ‬أمني‭ ‬متحفّز،‭ ‬بينما‭ ‬يُمنح‭ ‬البطل‭ ‬الأمريكي‭ ‬عمقًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬ومهنيًا‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬التباس‭ ‬أخلاقي،‭ ‬إذ‭ ‬يلمّح‭ ‬إلى‭ ‬ارتباك‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها،‭ ‬وإلى‭ ‬هشاشة‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭. ‬لكنّ‭ ‬هذا‭ ‬الالتباس‭ ‬يبقى‭ ‬محدودًا‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬سردي‭ ‬يحتفي‭ ‬بالبطولة‭ ‬الفردية‭ ‬ويعيد‭ ‬تثبيت‭ ‬صورة‭ ‬أمريكا‭ ‬المنقذة‭.‬

أما‭ ‬فيلم‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬اللّيل‭ ‬Zero Dark Thirty‭  ‬للمخرجة‭ ‬كاثرين‭ ‬بيغلو،‭ ‬فرغم‭ ‬تركيزه‭ ‬على‭ ‬مطاردة‭ ‬أسامة‭ ‬بن‭ ‬لادن،‭ ‬فإنّه‭ ‬يعكس‭ ‬مناخًا‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬حيث‭ ‬تُختزل‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬خرائط‭ ‬أمنية‭ ‬ومواقع‭ ‬سرّية‭.  ‬وهنا‭ ‬تتراجع‭ ‬الشعارات‭ ‬المباشرة‭ ‬لصالح‭ ‬مقاربة‭ ‬شبه‭ ‬وثائقية،‭ ‬تطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬مقلقًا‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حدّ‭ ‬يمكن‭ ‬تبرير‭ ‬العنف‭ ‬باسم‭ ‬الأمن‭ ‬القومي؟‭  ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تتجاوز‭ “‬بيغلو‭” ‬الخطاب‭ ‬الدعائي‭ ‬الصريح،‭ ‬وتضع‭ ‬المشاهد‭ ‬أمام‭ ‬منطقة‭ ‬رمادية‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬ظلّ‭ ‬المنظور‭ ‬أمريكيًا‭ ‬في‭ ‬جوهره‭.‬

السينما‭ ‬الإيرانية‭: ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬السياسة

في‭ ‬المقابل،‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬قدّمت‭ ‬السينما‭ ‬الإيرانية‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬أمريكا‭ ‬بوصفه‭ ‬موضوعًا‭ ‬مباشرًا‭. ‬فالمخرج‭ ‬الإيراني‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬تقاليد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬ذ‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الحكاية‭ ‬اليومية،‭ ‬إلى‭ ‬الأسرة‭ ‬والطفولة‭ ‬والهامش‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ليقول‭ ‬السياسة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسمّيها‭. ‬وهذه‭ ‬استراتيجية‭ ‬جمالية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬ضرورة‭ ‬رقابية‭.‬

ففي‭ ‬أعمال‭ ‬أصغر‭ ‬فرهادي،‭ ‬مثل‭ “‬انفصال‭”  ‬A Separation،‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإيراني‭ ‬بوصفه‭ ‬حدثًا،‭ ‬بل‭ ‬كظلّ‭ ‬بعيد‭. ‬فالفيلم‭ ‬منشغل‭ ‬بانقسام‭ ‬أسري‭ ‬وأخلاقي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني،‭ ‬لكنّه‭ ‬يقدّم‭ ‬صورة‭ ‬مركّبة‭ ‬عن‭ ‬مجتمع‭ ‬حيّ،‭ ‬متعدّد،‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الكليشيهات‭ ‬الغربية‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬قوة‭ ‬الطرح‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬التي‭ ‬روّجتها‭ ‬السياسة،‭ ‬عبر‭ ‬إظهار‭ ‬الإنسان‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬تعقيده،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬اختزاله‭.‬

أما‭ ‬جعفر‭ ‬بناهي،‭ ‬ففي‭ ‬أفلامه‭ ‬مثل‭ “‬تاكسي‭” ‬Taxi،‭ ‬فيشتغل‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬الإيراني‭ ‬بوصفه‭ ‬ساحة‭ ‬توتّر‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والمؤسسة‭. ‬وهو‭  ‬لا‭ ‬يهاجم‭ ‬أمريكا،‭ ‬ولا‭ ‬يحتفي‭ ‬بها؛‭ ‬بل‭ ‬يفضح‭ ‬آليات‭ ‬القمع‭ ‬المحلي،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ضمنية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.  ‬وهذا‭ ‬التحويل‭ ‬لبوصلة‭ ‬الصراع‭ ‬ذ‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬خارجية‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬ذاتية‭ ‬ذ‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬موقف‭ ‬فني‭ ‬وفكري‭ ‬شجاع‭ ‬كان‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التضييقات‭ ‬والمشاكل‭ ‬التي‭ ‬تعرّض‭ ‬لها‭ ‬المخرج‭ ‬والتي‭ ‬أرغمته‭ ‬على‭ ‬انجاز‭ ‬أفلام‭ ‬بطرق‭ ‬سرّية‭ ‬نالت‭ ‬الاستحسان‭ ‬والجوائز‭ ‬العالمية‭.‬

بين‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬وتفكيكها

يبدو‭ ‬إذن‭ ‬أنّ‭ ‬السينما‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬معتبر‭ ‬منها،‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬الصراع‭ ‬ضمن‭ ‬سردية‭ ‬البطولة‭ ‬والأمن،‭ ‬بينما‭ ‬آثرت‭ ‬السينما‭ ‬الإيرانية‭ ‬الالتفاف‭ ‬عليه‭ ‬عبر‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬الفرد‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الصورة‭ ‬ليست‭ ‬أحادية‭. ‬فبعض‭ ‬الأفلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬المستقلة‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬رؤية‭ ‬أكثر‭ ‬تعاطفًا‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬الإنتاجات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الرسمية‭ ‬انزلقت‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬تعبوي‭ ‬مباشر‭.‬

المفارقة‭ ‬أنّ‭ ‬الفنّان،‭ ‬في‭ ‬السياقين،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تمثيل‭ ‬زالعدوس‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخّ‭ ‬الشيطنة؟‭ ‬هنا‭ ‬تتجلّى‭ ‬قيمة‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تجرؤ‭ ‬على‭ ‬التعقيد،‭   ‬والتي‭ ‬تمنح‭ ‬الآخر‭ ‬صوتًا‭ ‬وملامح،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تحوّله‭ ‬إلى‭ ‬شعار‭.‬

السينما‭ ‬كمساحة‭ ‬ثالثة

لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬خطابات‭ ‬السياسة‭ ‬وحدها‭. ‬فالسينما،‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬وفية‭ ‬لجوهرها‭ ‬الإنساني،‭ ‬تفتح‭ ‬مساحة‭ ‬ثالثة‭ ‬،‭ ‬مساحة‭ ‬يتجاور‭ ‬فيها‭ ‬الخوف‭ ‬والرغبة،‭ ‬الذاكرة‭ ‬والراهن،‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬والحياة‭ ‬اليومية‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المساحة،‭ ‬يصبح‭ ‬الإيراني‭ ‬أبًا‭ ‬أو‭ ‬أمًّا‭ ‬أو‭ ‬طفلًا،‭ ‬ويصبح‭ ‬الأمريكي‭ ‬إنسانًا‭ ‬مأزومًا‭ ‬لا‭ ‬مجرّد‭ ‬جندي‭ ‬أو‭ ‬عميل‭.‬

ولعلّ‭ ‬أهمّ‭ ‬ما‭ ‬أنجزته‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأفلام‭ ‬هو‭ ‬نقل‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬الشعارات‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وحين‭ ‬تنجح‭ ‬الكاميرا‭ ‬في‭ ‬التقاط‭ ‬ارتجافة‭ ‬وجه،‭ ‬أو‭ ‬تردّد‭ ‬قرار،‭ ‬أو‭ ‬دمعة‭ ‬مكبوتة،‭ ‬فإنّها‭ ‬تُسقط‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬جدار‭ ‬العداء‭ ‬الرمزي‭. ‬هكذا‭ ‬يظلّ‭ ‬الرهان‭ ‬الجمالي،‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬الضفتين،‭ ‬هو‭ ‬تحرير‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬السياسة،‭ ‬وإعادة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الحكاية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

انطباعات‭ ‬أوّلية‭ ‬عن‭ ‬الانتاجات‭ ‬الدّرامية‭ ‬لرمضان‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬تونس‭: ‬ بين‭ ‬رهانات‭ ‬التجديد‭ ‬و‭”‬كليشيهات‭” ‬الاستسهال

شهدت‭ ‬الشاشة‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬2026‭ ‬موسمًا‭ ‬دراميً…