2026-03-05

انطباعات‭ ‬أوّلية‭ ‬عن‭ ‬الانتاجات‭ ‬الدّرامية‭ ‬لرمضان‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬تونس‭: ‬ بين‭ ‬رهانات‭ ‬التجديد‭ ‬و‭”‬كليشيهات‭” ‬الاستسهال

شهدت‭ ‬الشاشة‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬2026‭ ‬موسمًا‭ ‬دراميًا‭ ‬كثيفًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عدد‭ ‬الأعمال‭ ‬وتنوّعها،‭ ‬إذ‭ ‬توزّعت‭ ‬المسلسلات‭ ‬بين‭ ‬القنوات‭ ‬الوطنية‭ ‬والخاصة‭ ‬والمنصّات‭ ‬الرقمية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّلًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الإنتاج‭ ‬التلفزيوني‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الوفرة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬معيارًا‭ ‬للحكم؛‭ ‬فالموسم‭ ‬كشف،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬مكامن‭ ‬تطوّر‭ ‬لافتة،‭ ‬عن‭ ‬اختلالات‭ ‬مزمنة‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬والإيقاع‭ ‬وبناء‭ ‬الشخصيات

تمثّلت‭ ‬أولى‭ ‬السمات‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬تعدّد‭ ‬الأنواع‭: ‬من‭ ‬الكوميديا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬الدراما‭ ‬النفسية‭ ‬والتشويق‭ ‬الأخلاقي‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬النجاح‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موزّعًا‭ ‬بالتساوي،‭ ‬فالأعمال‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بتفاعل‭ ‬إيجابي‭ ‬واسع‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬راهنت‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬الحبكة‭ ‬وعمق‭ ‬الشخصيات‭ ‬وتطوّرها‭ ‬عبر‭ ‬الحلقات،‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بمراكمة‭ ‬الأحداث‭.  ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬مسلسلات‭ ‬مثل‭ “‬الخطيفة‭” ‬واغيبوبةب‭ ‬واأكسيدونب‭ ‬بوصفها‭ ‬نماذج‭ ‬لدراما‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬استنساخه‭ ‬سطحيًا‭. ‬فقد‭ ‬اشتغلت‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬رمادية‭ ‬وهي‭ ‬هشاشة‭ ‬الروابط‭ ‬الأسرية،‭ ‬صدمات‭ ‬الماضي،‭ ‬وأثر‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وصراع‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬يتبدّل‭ ‬بسرعة‭.‬

ضعف‭ ‬السيناريو‭ ‬وسطحية‭ ‬الحوار

ولا‭ ‬تكمن‭ ‬ميزة‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الموضوع،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬اقتصادها‭ ‬السردي؛‭ ‬إذ‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬التوتر‭ ‬الدرامي‭ ‬بشكل‭ ‬تصاعدي،‭ ‬وعلى‭ ‬تجنّب‭ ‬الترهل‭ ‬الذي‭ ‬يميّز‭ ‬عادة‭ ‬الأعمال‭ ‬الممتدة‭ ‬على‭ ‬ثلاثين‭ ‬حلقة‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الأداء‭ ‬التمثيلي‭ ‬جاء‭ ‬منسجمًا‭ ‬مع‭ ‬اختيارات‭ ‬إخراجية‭ ‬واعية‭ ‬بالفضاء‭ ‬وبالزمن‭ ‬الداخلي‭ ‬للشخصيات،‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬بعض‭ ‬المشاهد‭ ‬كثافة‭ ‬شعورية‭ ‬تُحسب‭ ‬لصنّاعها‭ ‬وللممثلين‭ ‬الذين‭  ‬تقمّصوا‭ ‬الأدوار‭ ‬بكفاءة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬عانت‭ ‬أعمال‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬مشكلات‭ ‬بنيوية‭ ‬أبرزها‭ ‬ضعف‭ ‬السيناريو‭. ‬فالتكرار‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬زالكليشيهس‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ما‭ ‬يزالان‭ ‬حاضرين‭ ‬بقوة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الكوميديات‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬النكتة‭ ‬الظرفية‭ ‬بدل‭ ‬بناء‭ ‬موقف‭ ‬ساخر‭ ‬متكامل‭. ‬فالموسم‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬اصاحبك‭ ‬راجلب،‭ ‬مثلًا،‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬شعبيته‭ ‬بفضل‭ ‬كيمياء‭ ‬الممثلين‭ ‬وقرب‭ ‬الشخصيات‭ ‬من‭ ‬المتلقي،‭ ‬وشهرة‭ ‬نجمه‭” ‬كريم‭ ‬الغربي‭” ‬لكنه‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬إعادة‭ ‬تدوير‭ ‬المواقف‭ ‬ذاتها،‭ ‬مما‭ ‬أضعف‭ ‬عنصر‭ ‬المفاجأة‭ ‬وأفقد‭ ‬السرد‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬طزاجته‭. ‬وهنا‭ ‬تتجلّى‭ ‬معضلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬التلفزيوني‭ ‬حين‭ ‬يتحوّل‭ ‬النجاح‭ ‬الجماهيري‭ ‬إلى‭ ‬وصفة‭ ‬جاهزة‭ ‬تُكرّر‭ ‬دون‭ ‬مغامرة‭ ‬فنية‭.‬

في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الخلفية‭ ‬السينمائية

أما‭ ‬التجربة‭ ‬الأبرز‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الرهان‭ ‬الجمالي‭ ‬فكانت‭ “‬المطبعة‭” ‬للمخرج‭ ‬مهدي‭ ‬هميلي‭.  ‬وتقديرنا‭ ‬أنّ‭ ‬حضور‭ ‬مخرج‭ ‬ذي‭ ‬خلفية‭ ‬سينمائية‭ ‬منح‭ ‬العمل‭ ‬نفسًا‭ ‬بصريًا‭ ‬مختلفًا؛‭ ‬إذ‭ ‬بدا‭ ‬الاشتغال‭ ‬على‭ ‬الإضاءة‭ ‬والديكور‭ ‬وحركة‭ ‬الكاميرا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الحسّ‭ ‬الفيلمي‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬التلفزيوني‭ ‬التقليدي‭. ‬وقد‭ ‬عزّز‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الجمالي‭ ‬الطابع‭ ‬الإنساني‭ ‬للعمل،‭ ‬وسمح‭ ‬بتقديم‭ ‬شخصيات‭ ‬مركّبة‭ ‬تتحرك‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬رمزي‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬أسئلة‭ ‬الذاكرة‭ ‬والسلطة‭ ‬والمعرفة‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬طالت‭ ‬إيقاع‭ ‬الحلقات‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬متأنية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬بالنسبة‭ ‬لجمهور‭ ‬اعتاد‭ ‬نسقًا‭ ‬أسرع‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬الرمضانية‭.‬

إن‭  ‬تركيز‭ ‬أغلب‭ ‬الإنتاجات‭ ‬على‭ ‬الخصوصية‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬والفضاءات‭ ‬والمرجعيات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬منحها‭ ‬صدقية‭ ‬وقربًا‭ ‬من‭ ‬المتفرج‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المكسب‭ ‬يتحوّل‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬مأزق‭ ‬حين‭ ‬يُختزل‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬للهامشي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التعقيد‭ ‬البنيوي‭ ‬للمجتمع‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬الخاتمة

ولعلّ‭ ‬النقطة‭ ‬المفصلية‭ ‬التي‭ ‬كشفتها‭ ‬الأعمال‭ ‬الناجحة‭ ‬هي‭ ‬أنّ‭ ‬الجمهور‭ ‬التونسي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يكتفي‭ ‬بالترفيه‭ ‬الخفيف،‭ ‬بل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬سرد‭ ‬يُحترم‭ ‬فيه‭ ‬ذكاؤه‭. ‬فحين‭ ‬تتماسك‭ ‬الحبكة،‭ ‬وتُبنى‭ ‬الشخصيات‭ ‬على‭ ‬دوافع‭ ‬نفسية‭ ‬مقنعة،‭ ‬ويتوازن‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الواقعية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬اللغوي،‭ ‬يتحقق‭ ‬التفاعل‭. ‬أما‭ ‬حين‭ ‬تُختزل‭ ‬الدراما‭ ‬في‭ ‬صراخ‭ ‬أو‭ ‬مبالغات‭ ‬ميلودرامية،‭ ‬فإن‭ ‬النقد‭ ‬يكون‭ ‬قاسيًا،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬حافظت‭ ‬نسب‭ ‬المشاهدة‭ ‬على‭ ‬ارتفاعها‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬موسم‭ ‬2026‭ ‬شكّل‭ ‬مختبرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لصناعة‭ ‬الدراما‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬لقد‭ ‬أظهر‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬نضج‭ ‬أكبر‭ ‬يمرّ‭ ‬أساسًا‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬الكتابة‭ ‬الدرامية،‭ ‬والقطع‭ ‬مع‭ ‬الحلول‭ ‬السهلة،‭ ‬ومنح‭ ‬المخرجين‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للتجريب‭ ‬البصري‭ ‬دون‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬متطلبات‭ ‬الإيقاع‭ ‬التلفزيوني‭. ‬

ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الدراما‭ ‬التونسية‭ ‬بين‭ ‬نجاحات‭ ‬لافتة‭ ‬وتعثرات‭ ‬واضحة،‭ ‬تقف‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭: ‬مرحلة‭ ‬تُقاس‭ ‬فيها‭ ‬القيمة‭ ‬بعمق‭ ‬الرؤية‭ ‬لا‭ ‬بعدد‭ ‬الحلقات،‭ ‬وبقدرة‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬مقلقة‭ ‬لا‭ ‬بإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬أجوبة‭ ‬جاهزة

‫شاهد أيضًا‬

ليالي رمضان في مسرح الحمراء زينب الفرشيشي وحاتم القروي ووئام البقلوطي في الموعد

يستعيد‭ ‬مسرح‭ ‬الحمراء‭ ‬بالعاصمة،‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬تقليده‭ ‬في‭ ‬مرافقة‭ ‬السهرات…